
علي بن راشد المطاعني
لنسميها بدون وجل بالطامة الصغرى والتي مابعدها الطامة الكبرى والتي ستأتي حتما بعد أن غصنا في هذا المستنقع الآسن حتى الأذنين وما بعد ذلك هو الغرق ونخشى أن يكون كغرق فرعون موسى ذاك الذي قال أنا ربكم الأعلى.
الواقعة التي دفعتنا لقول ذلك هي أقصوصة أبلغنا بها زميل وهو يقف أمام ابنته طريحة السرير الأبيض في إحدى المستشفيات قال والعهدة على الراوي، إنه شاهد عاملات منازل ما بين سرير وسرير به أمهات فضليات في ذات الجناح الذي به ابنته، سأل بعفوية عن سر وجودهن هنا وباعتبار أن مكانهن المنازل بحكم وظائفهن كعاملة منزلية، فكانت الإجابة صادمة وكارثية بكل المقاييس، لقد قيل له إنهن مرافقات للأمهات، بتكليف كريم من الأبناء والبنات الذين ليس لديهم الوقت لمرافقة أمهاتهم، فأوكلوا المهمة المقدسة للعاملات الذين يتعين عليهم حصد الثواب كله والمفترض إنه متوجه بنحو طبيعي للأبناء الأعزة وقد دنت اللحظات التي ينتظرها الأبناء أصلا لحصد كل ثواب البر المفضي لرضى الله عز وجل، فإن رضى الخالق فتح أبواب الخير في الدنيا والأخرى للابن الغافل وقد أغرته الحياة بزخرفها وزينتها فانطلق خلف سرابها لعله يرتوي هناك عند خط الأفق، والمسكين لا يدري أن السراب سيبقى سرابا، هنا يبرز السؤال هل يا ترى (البر) المشار إليه في الآية 23 من سورة الإسراء عندما قال رب العزة:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا}.. صدق الله العظيم.
هل يا ترى هذا المعنى الهائل والمخيف في هذه الآية ينسحب على هذه الواقعة الواقعة، وهل يا ترى يعتبر هذا التكليف من الأبناء الأعزة للعاملات للقيام برعاية أمهاتهم في هذه اللحظات التي أحوج ما تكون فيه الأم للمسات الأبناء الحانية هل يعتبر هذا التكليف قمة سنام البر المفضي لرضوان الله؟
على الأبناء أن يجيبوا بأنفسهم على أنفسهم فنحن لسنا بحاجة لأي إجابة كانت، ذلك أنهم هم الذين يحتاجون للإجابة وباعتبار أن المواجهة ليست بيننا وبينهم بل بين الله وبينهم.
ما نحن على ثقة منه أن الأبناء الكرام قد حصدوا الحشف من بعد سوء كيلهم، وكان في إمكانهم أن يحصدوا الذهب لا الحشف، ولا ندري إن كانت الأمهات راضيات عن هذا النوع الجديد والفريد من البر الحداثي البديع، نحن نعلم أن قلوب الأمهات لن تلعن ولن تسخط على الأبناء، ولكن الرضى هو إحساس دفين لايتم التعبير عنه بالكلمات، هو لغة لا حروف لها ولا تنطق باللسان ولا ترددها الأفواه، الأم قد تصمت، هذا الصمت على الأبناء أن يعتبروه قاتلا، هو لغة تبلغ عنان السماء فورا ويكتبها الله في ألواح الأبناء المحفوظة كعقوق مفضي للجحيم.
طبعا هنا التعميم غير وارد، فالكثير من الأبناء لا يرتضوا أن يخدم أبناءهم وأمهاتهم عاملات منازل، ولكن هذه الظاهرة بدأت تتسلل إلى مجتمعنا، يجب علينا الالتفات لها والتوعية بخطورتها.
نأمل أن يدرك الأبناء اللا نجباء فداحة الورطة التي ألقوا بأنفسهم في نارها لا نورها، وأن يركضوا ركضا للمستشفيات ليلتحقوا فورا بالأمهات العزيزات لعل وعسى، وتحت لعل وعسى نضع مائة خط أحمر لن نفسره لكم ولهم، إذ عليهم أن يفكوا طلاسم الكلمات المميزة بالخط الأحمر!!.. وحتى لا يموت أهاليها وهم أحياء.