
فريد أحمد حسن
الأسبوع الماضي شارك العاملون في «الشبيبة» والمنتمون إليها وقراؤها الزميل علي المطاعني فرحته بتكريم جامعة مانشستر البريطانية لابنه عبدالله كأفضل خريج وأفضل مشروع تخرج في الهندسة الكيميائية وبحصوله على جائزتين نتيجة هذا الإنجاز العلمي. إنجاز تفخر به سلطنة عمان وكل دول مجلس التعاون ويوفر الدافع للكثيرين من مواطني السلطنة والمجلس ليجتهدوا كي يصيروا سببا في تطوّر بلدانهم وتقدمها، فمن يحصد مثل هذه النتائج سيتمكّن من دون شك من خدمة وطنه والمنطقة وسيسهم بفاعلية في تطوّره وتطوّرها.
يوم في إثر يوم تزداد أعداد العمانيين الذين يتميّزون ويأتون بالشهادات من أرقى الجامعات في العالم، ويوم في إثر يوم تزداد أعداد الخليجيين الذين يتميّزون ويأتون بمثل تلك الشهادات من تلك الجامعات، ما يبشّر بمستقبل يحتاج إلى قدرات غير عادية لتصوّره، فالعلم الذي يأتي به هؤلاء وتفوّقهم وتميّزهم يعني أن دول المجلس والمنطقة على موعد مع ما لا يخطر على البال اليوم.
لكن هذا لا يمكن أن يتحقق لو اكتفت دول مجلس التعاون بالاستقبال الجميل لهؤلاء المتفوّقين والمتميّزين وبمشاركتهم وذويهم الفرحة وتركتهم في مواجهة مباشرة مع الحياة وظروفها وتقلباتها، فمثل هؤلاء ينبغي احتضانهم وتوفير كل ما يعينهم على الإنتاج والعطاء. ما يحتاجه هؤلاء ليس المناصب والوظائف العليا والمسميات ولكن الظروف التي تعينهم على تطبيق ما تعلّموه وترجمة ما أتقنوه على أرض الواقع ليتمكنوا من خدمة وطنهم بالشكل الذي ينبغي أن يخدمونه به.
تزايد أعداد الخليجيين المتفوّقين والمتميّزين يدفع إلى القول إنه ربما حان الوقت لإنشاء مؤسسة يقتصر الانتماء إليها على هؤلاء، تتوفر نسخة منها في كل دولة من دول مجلس التعاون، وتتوفر إلى جانبها مؤسسة أكبر تضم كل تلك المؤسسات مهمتها التنسيق بين تلك المؤسسات وتنظيم البرامج والأنشطة والمؤتمرات التي يعود نفعها على كل دول المجلس. هذه المؤسسات يمكنها أن تزيل كل عقبة تواجه هؤلاء وتهيئ لهم كل الظروف التي تعينهم على تقديم ما هو متوقع منهم والإبداع.
لا قيمة لهؤلاء المتفوّقين والمتميّزين ولا لشهاداتهم والجوائز التي حصلوا عليها إن لم يشاركوا في عملية الارتقاء بالوطن وبالمجتمع ويعطوا وينتجوا ويبدعوا، ولأن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث إن تأخرت الحكومات الخليجية عن توفير ما يعين هؤلاء على العطاء والإنتاج لذا صار واجبا على هذه الحكومات بذل كل الجهود كي ينعم هؤلاء بظروف غير عادية تعينهم على خدمة أوطانهم وخدمة المنطقة بل وجعل ما يقدّمون يعود خيره على كل العالم. هؤلاء وبسبب تميّزهم يسعى الغرب إلى «اقتنائهم»، والدليل أن الكثير من الذين أضافوا إلى الغرب وكانوا سببا من أسباب تطوّره هم من العرب الذين تميّزوا ولم يجدوا الحضن الدافئ في بلدانهم فارتموا في حضن الغرب الذي رعاهم ووفّر لهم كل الظروف التي تتيح لهم العطاء والإنتاج فارتقى الغرب بينما ظلت بلدانهم تستورد نتاج جهودهم وتميّزهم بمقابل.
أبناؤنا المتفوّقون والمتميّزون الذين يأتون بتلك الشهادات وتفخر الجامعات التي درسوا بها بانتمائهم إليها وتخرجهم منها يضيعون إن لم نحتويهم ونهيئ لهم فرص العمل والبيئة التي تعينهم على العطاء، فتضيع بذلك السنون التي بذلوا فيها جهد التعلم ويصير الخاسر الأكبر هو الوطن والمنطقة.
توظيف المتفوّقين والمتميّزين لا يكفي وليس هو المطلوب، وتقليدهم المناصب والرتب ليس هو المطلوب أيضا، المطلوب هو توفير الأجواء التي يسهل عليهم التنفس فيها والعطاء والإبداع، والمطلوب هو تشجيعهم على المزيد من العطاء والإبداع والإعلاء من شأنهم. هؤلاء ثروة بشرية غير عادية تفوق كل الثروات، بهم ترتقي بلداننا ومجتمعاتنا، وبهم نختصر الوقت الذي نحتاجه لنصير من الأمم المتقدمة.
لهذا فإن إيجاد مؤسسة خاصة بهم في كل دولة من دول مجلس التعاون ينتمون إليها، وإيجاد مؤسسة خليجية تضم تلك المؤسسات وتنسق فيما بينها مسألة ينبغي أن تجد الكثير من الاهتمام من قبل المسؤولين في دول المجلس ومن الأمانة العامة لمجلس التعاون، فوجود هذه المؤسسات يدفع الكثيرين إلى النجاح والتفوّق والتميّز ويدفع المنتمين إليها إلى الكثير من العطاء والإبداع.
ترك المتفوقين والمتميّزين من دون سلكهم في مؤسسة تحفظ حقوقهم وتنظم حياتهم وعطائهم خطأ علينا ألا نقع فيه، فالآخرون تطوّروا عندما نظّموا عملية الاستفادة من أبنائهم المتفوّقين والمتميّزين، والآخرون يتقدّمون كلما تأخرنا نحن عن احتضان أبنائنا المتفوّقين والمتميّزين القادرين على العطاء والإنتاج والإبداع.
لا يكفي أن نفرح بهؤلاء وتهنئتهم بالتخرّج والتفوّق والتميّز وتهنئة ذويهم والدعاء لهم بالتوفيق، فالشهادات التي حصلوا عليها عبارة عن اعتراف الجامعات التي تعلّموا فيها بتفوّقهم وتميّزهم، فإن لم نستغل الفرصة ونستفيد منهم ضاعت جهودهم وضاع صبرنا وخسر الوطن والمجتمع.
رأيي ألا يقتصر دور المؤسسات المقترح إنشاؤها هنا على توفير الظروف المناسبة لهؤلاء كي ينتجوا ويبدعوا ولكن أن تُتاح لها حتى فرصة التدخّل في حياتهم الخاصة فلا تسمح لهم بالارتباط إلا بمَن تعتقد أنه يمكن أن يُسهم في توفير الأجواء التي يحتاجونها كي يبدعوا وليأتي نتاجهم متميّزا أيضا فللوراثة دور والعلم يؤكد كل هذا.
أبناؤنا هؤلاء بإمكانهم أن يغيّروا حياتنا إلى الأفضل لو أننا تمكّنا من احتضانهم وتوفير الأجواء التي تيسر لهم العطاء، بل بإمكانهم أن يغيّروا من حياة كل المنطقة وجعلنا متميّزين ومتفوّقين في كل المجالات ونشارك الدول المتقدمة في الارتقاء بالحضارة الإنسانية.
كاتب بحريني