ترامب وفخ الهجرة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠١/أغسطس/٢٠١٨ ٠٤:٠٢ ص

كريستوفر هِل

لا تذكّرني رئاسة ترامب بشيء أكثر من الحروب التي شهدتها يوغوسلافيا في التسعينيات. ففي أوج الأحداث العنيفة، قال لي صديق صربي: «أنا لا أحب «سلوبودان» ميلوسوفيتش. فأنا لا أحب طريقة عمله وعنفه وفقدانه للمهارة وميوله لتعذيب الآخرين. ولكنه على الأقل يقوم بشيء ما».

إن الجملة الأخيرة تلخص الصراع بأكمله. فصديقي كان مستعدا لغض النظر عن كل ما يقوم به ميلوسوفيتش من خروقات واعتداءات عنيفة إذا كان ذلك يعني أن صربيا لن تكون ضحية من جديد. وحسب ما قيل في هذه الرواية القومية، فقد أجبرت صربيا على قبول أنها جمهورية واحدة ضمن ست دول، رغم أن الصربيين الموزعين في جميع أنحاء يوغوسلافيا، يشكّلون نصف سكان يوغوسلافيا تقريبا. وبالطبع، كانت فكرة كون صربيا ضحية أمرا يناقض آراء الجمهوريين الآخرين. إذ بالنسبة لهم، يوغوسلافيا أبعد من أن تكون مجرد مخطط سري للحد من قوة صربيا، بل هي مخطط للقضاء على مركزها كأول النظراء. وفي كل الأحوال، كانت صربيا تتحكم في الجيش والشرطة السرية والحزب الحاكم.

وبطرق شتى، ظهر نفس النموذج في الولايات المتحدة الأمريكية منذ تولي ترامب الرئاسة. فترامب شخص وقح وغالبا ما يكون عنيفا، والعديد من مناصريه أدركوا أنهم لا يرغبون أن يقوم أولادهم بتقليده. وبالرغم من ذلك، فهو يتحدث عن الأمور التي تحزنهم وتلك التي تقلقهم. وفي العام 2016، وصل إلى ما يكفي من الأصوات لتحقيق الفوز- ويمكن لهذا السيناريو أن يُعيد نفسه من جديد في العام 2020.
واستهدف ترامب ومناصريه مواضيع ليست في علم أغلبية الأمريكيين، ولكنها تجبر المصوتين على اتخاذ قرار واحد. وغالبا ما تسبب مثل هذه «المواضيع التي تسبب انقسامات» ردة فعل موازية ومضادة من الحزب المنافس. وبما أن كل جانب يحاول حفر حفرة يهاجم منها الآخر، أصبح الطرفان يتجاهلان التعقيدات والاختلافات الدقيقة في هذه المواضيع.
والهجرة هو الموضوع الرئيسي الذي يعتمد عليه ترامب لجذب الأصوات. فبينما يتحمس الأمريكيون لفكرة أن التكلم باللغة الأمهرية عوض اللغة الإنجليزية في سيارات الأجرة في واشنطن العاصمة، سيجدي نفعا، حوّل ترامب موضوع الهجرة إلى استفتاء لدى الأمريكيين. وعليه، فأثناء جولته الأخيرة في أوروبا، أصدر ترامب بلاغا تحذيريا يقول فيه إن الهجرة «تغيّر ثقافات» المجتمعات الغربية.
ومن وجهة نظر مناصريه، فترامب حقق نجاحا فيما يتعلّق بالهجرة فقط لأنه «يفعل شيئا». فبالنسبة إليه، ليس هناك فرق بين الهجرة الشرعية وغير الشرعية، كما أنه عقد محادثات غير فعالة بشأن حاجة البلاد إلى اليد العاملة في بعض القطاعات المحلية. وإذا كنت تظن أن ترامب يعترف بفضل المهاجرين في بناء البلد، يمكنك التفكير مجددا. فكل شيء اختصر في مسألة الهوية الأمريكية، التي صنفت على أساس العرق.
ومن خلال دعمه لموضوع الهجرة، أقنع ترامب مناصريه أن بلدهم يتعرّض لغزو من طرف أشخاص ذوي هويات وتوجهات عرقية مختلفة، مفسرا أن السبب في ذلك راجع إلى نظام الامتيازات العرقي. وبالتالي، فقد حشد مناهضي الهجرة في صفوف من يقاسمهم نفس الهوية. وعلى الأقل الآن، لديه ما يكفي من المناصرين للفوز.
ولكن تلك المواضيع تُوجِد ردة فعل لدى كلا الطرفين. فالشعار الجديد لمعارضي ترامب هو «اقضوا على الوكالة الأمريكية لتنفيذ القوانين المتعلقة بالجمارك والهجرة، وهي وكالة فدرالية مكلفة بتنفيذ سياسات الإدارة الأمريكية المتعلّقة بالهجرة. ومن بين ما تشمله الهجرة أصبحت عبارة «غير شرعي» تعبيرا جارحا واحتقاريا لكل شخص على قيد الحياة. وبالطبع، فالمصطلح لا يشير إلى الشخص ذاته، بل إلى وضعه المتعلّق بالهجرة في حدود اختصاص معيّن، أي في الولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى غرار ما قام به معارضو ترامب، نددت القوات المساندة للهجرة أولئك الذين يدعون إلى مراقبة الحدود، رغم أنهم لا يطالبون إلا بهجرة قانونية. وبينما يناقش البعض القوانين التي قد تضع حدا لنزوح المهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد، يبدو أن مؤيدي الهجرة الراديكاليين يشكون إن كان ولا بد أن تكون هناك أية قوانين تحد من تنقلات الأشخاص.
ولا داعي للقول إن هذا يصب في مصلحة ترامب. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن أغلبية الأمريكيين يريدون مراقبة الحدود. ومن المؤكد، أن سياسة تفريق أطفال المهاجرين عن ذويهم التي تبنّتها إدارة ترامب ذهبت إلى أبعد مما سيتقبله معظم الأمريكيين. ولكن إذا ظن المصوّتون أن الحل البديل هو عدم مراقبة الحدود، أو موجة من مطالب اللجوء المشكوك فيها، فسيقفون في صف ترامب في النهاية.
إن المحادثات بشأن الهجرة دليل على أن مراكز السياسة في أمريكا تختفي بسرعة. إلا أنه لا يجب التصدي لراديكالية ترامب بالمزيد من الراديكالية. لقد اختار ترامب ومناصروه مواضيعهم بعناية. إن أحسن طريقة للرد عليه هو عدم الانضمام إلى لعبته التهكمية واستهداف شريحة كبيرة من الأمريكيين بدل ذلك. فهذا أمر ممكن.

مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشرق آسيا، شغل منصب السفير الأمريكي لدى العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، والمبعوث الأمريكي الخاص لكوسوفو