التعافي العالمي

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٢٣/يوليو/٢٠١٨ ٠٤:٥٤ ص
التعافي العالمي

نوريل روبيني

تُرى كيف تختلف النظرة الاقتصادية العالمية الحالية عن تلك التي كانت في العام الفائت؟ في العام 2017، كان الاقتصاد العالمي خاضعا لتوسع متزامن، مع تسارع النمو في كل من الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة. فضلا على ذلك، ورغم النمو الأقوى، كان التضخم معتدلا -إن لم يكن في هبوط- حتى في اقتصادات مثل الولايات المتحدة، حيث كانت أحوال السلع وأسواق العمل مشدودة متوترة.

وقد سمح النمو الأقوى مع التضخم الذي ظل أدنى من المستوى المستهدف للسياسات النقدية غير التقليدية إما بالاحتفاظ بكامل قوتها، كما هي الحال في منطقة اليورو أو اليابان، أو التراجع بتدرج شديد، كما نشهد الآن في الولايات المتحدة. فبفضل اجتماع النمو القوي والتضخم المنخفض والمال السهل، كان تقلب الأسواق منخفضا. ومع انخفاض العائدات على السندات الحكومية بشدة أيضا، كانت غرائز المستثمرين الحيوانية في ارتفاع، الأمر الذي أدى إلى تعزيز أسعار العديد من الأصول الخطرة.

بينما كانت الأسهم الأمريكية والعالمية تسلم عائدات مرتفعة، ظلت المخاطر السياسية والجيوسياسية تحت السيطرة إلى حد كبير. وأعطت الأسواق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حق الاستفادة من قرينة الشك خلال عامه الأول في المنصب، واحتفل المستثمرون بتخفيضاته الضريبية وسياساته الرامية إلى إلغاء الضوابط التنظيمية. حتى أن العديد من المعلقين زعموا أن عقد «المتوسط الجديد» و«الركود المزمن» بدأ يفسح المجال لمرحلة جديدة «معتدلة» من النمو المطرد الأكثر قوة.
الأمر الأسوأ هو أن الحصة الكبيرة من النمو العالمي التي تدفعها الصين وأمريكا أصبحت الآن مهددة بفعل الحرب التجارية المتصاعدة. فقد فرضت إدارة ترامب رسوم استيراد على الصلب والألمنيوم، ومجموعة واسعة من السلع الصينية (والمزيد من ذلك من المنتظر أن يأتي في المستقبل)، كما تنظر في فرض رسوم إضافية على السيارات المستوردة من أوروبا وبقية العالَم. وفي الوقت الحالي، توقفت عملية إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. وعلى هذا فإن خطر نشوب حرب تجارية شاملة آخذ في الارتفاع.
من ناحية أخرى، مع اقتراب الاقتصاد الأمريكي من التشغيل الكامل للعمال، تعمل سياسات التحفيز المالي، جنبا إلى جنب مع ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، على تغذية التضخم المحلي. ونتيجة لهذا، يتعيّن على بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن يرفع أسعار الفائدة بسرعة أكبر من المتوقع، في حين يعمل أيضا على إرخاء ميزانيته العمومية. وعلى النقيض من العام 2017، يكتسب الدولار الأمريكي الآن المزيد من القوة، وهو ما سيؤدي إلى عجز تجاري أمريكي أكبر والمزيد من سياسات الحماية، مع استمرار ترامب، على افتراض أنه باق على نفس مساره، في إلقاء اللوم على دول أخرى.
في الوقت نفسه، دفع احتمال ارتفاع التضخم البنك المركزي الأوروبي إلى النظر في إنهاء السياسات النقدية غير التقليدية تدريجيا، وهو ما يعني ضمنا قدرا أقل من التسهيلات النقدية على المستوى العالمي. والواقع أن هذه التركيبة التي تتألف من الدولار الأقوى، وارتفاع أسعار الفائدة، وتناقص السيولة، لا تبشر بخير للأسواق الناشئة.
على نحو مماثل، سيعمل تباطؤ النمو، وارتفاع التضخم، وتراجع السياسات النقدية المتساهلة على تثبيط معنويات المستثمرين مع إحكام الظروف المالية وتزايد التقلبات. ورغم أرباح الشركات القوية -التي ارتفعت بفعل التخفيضات الضريبية في الولايات المتحدة- فقد انحرفت أسواق الأسهم الأمريكية والعالمية في الأشهر الأخيرة. منذ شهر فبراير، أحاطت بأسواق الأسهم المخاوف بسبب ارتفاع التضخم ورسوم الاستيراد، وبفعل ردة الفعل العنيفة ضد شركات التكنولوجيا الضخمة. وهناك أيضا المخاوف المتنامية بشأن أسواق ناشئة مثل تركيا، والأرجنتين، والبرازيل، والمكسيك، فضلا عن التهديد الذي تفرضه الحكومات الشعبوية في إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية.
مكمن الخطر الآن هو أن حلقة ردود الفعل السلبية ستترسخ بين الاقتصادات والأسواق. وقد يؤدي التباطؤ في بعض الاقتصادات إلى ظروف مالية أكثر إحكاما في أسواق الأسهم، والسندات، والائتمان، وهو ما قد يؤدي إلى المزيد من تقييد النمو.
منذ العام 2010، أدى التباطؤ الاقتصادي، وفترات العزوف عن خوض المجازفات، وتصحيحات الأسواق، إلى زيادة مخاطر الركود الانكماشي (تباطؤ النمو وانخفاض التضخم)، لكن البنوك المركزية الكبرى سارعت إلى الإنقاذ بالاستعانة بسياسات نقدية غير تقليدية، في حين كان كل من النمو والتضخم في انخفاض. ولكن للمرة الأولى في عقد كامل من الزمن، أصبحت أكبر المخاطر الآن ركودية تضخمية (تباطؤ النمو وارتفاع التضخم). وتشمل هذه المخاطر صدمة العرض السلبية التي قد تنتج عن حرب تجارية، وارتفاع أسعار النفط نظرا للقيود ذات الدوافع السياسية المفروضة على العرض، والسياسات المحلية التضخمية في الولايات المتحدة.بالتالي، خلافا لفترات العزوف عن خوض المجازفة القصيرة في عامي 2015 و2016، والتي دامت لشهرين فقط، كان المستثمرون الآن في فترة عزوف عن المجازفة منذ فبراير، وما تزال الأسواق تنجرف إلى الجانبين أو إلى أسفل. ولكن هذه المرة، بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وغيره من البنوك المركزية، في تشديد السياسات النقدية، ولم يعد بوسعها مع ارتفاع التضخم المسارعة إلى الإنقاذ هذه المرة.يتمثل فارق كبير آخر في العام 2018 في أن سياسات ترامب تعمل على إيجاد قدر أكبر من عدم اليقين والشكوك. فبالإضافة إلى شنّ حرب تجارية، يعمل ترامب بنشاط أيضا على تقويض النظام الاقتصادي والجيوستراتيجي العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.فضلا عن ذلك، ورغم أن سياسات تعزيز النمو المتواضعة التي أقرتها إدارة ترامب صارت خلفنا بالفعل، فإن التأثيرات المترتبة على السياسات التي قد تعرقل النمو لم تصبح محسوسة بالكامل بعد. وستعمل السياسات المالية والتجارية التي يفضّلها ترامب على مزاحمة الاستثمار الخاص، وتقليص الاستثمار المباشر الأجنبي في الولايات المتحدة، وإنتاج عجز خارجي أضخم. ومن الواضح أن نهجه الصارم في التعامل مع قضية الهجرة كفيل بتقليص المعروض من العمال اللازمين لدعم مجتمع مبتلى بالشيخوخة السكانية. وستعمل سياساته البيئية على زيادة صعوبة المنافسة في مواجهة الولايات المتحدة في عالَم الاقتصاد الأخضر في المستقبل. وسيتسبب ترهيبه للقطاع الخاص في جعل الشركات مترددة في توظيف العاملين أو الاستثمار في الولايات المتحدة.
بمرور الوقت، ستجتاح التدابير الخافضة للنمو كل السياسات الأمريكية المعززة للنمو. وحتى لو تجاوز اقتصاد الولايات المتحدة النمو المحتمل على مدار العام المقبل، فسوف تتلاشى تأثيرات التحفيز المالي بحلول النصف الثاني من العام 2019، وسيتجاوز بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معدل سياسة التوازن بعيدة الأمد وهو يحاول السيطرة على التضخم، وبالتالي يصبح تحقيق الهبوط الناعم أمرا أشد صعوبة. بحلول ذلك الوقت، ومع اشتداد وتيرة تدابير الحماية، من المحتمل أن تصبح الأسواق العالمية السطحية أكثر تخبطا ووعورة؛ نظرا للخطر الحقيقي المتمثل في توقف النمو -أو حتى الانكماش في العام 2020. وبعد أن أصبح عصر انخفاض التقلبات الآن شيئا من الماضي، فقد يبدو الأمر وكأن عصر العزوف عن خوض المجازفة الحالي أتى لكي يبقى.

الأستاذ في كلية شتيرن للأعمال بجامعة نيويورك وكبير الاقتصاديين للشؤون الدولية في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض أثناء إدارة كلينتون