مسقط -
تراجع إلى حد كبير إصدار الصكوك من الشركات وكيانات البنية الأساسية في منطقة الخليج في النصف الأول من هذا العام، ما يستدعي تظهير الدوافع المحتملة التي تسببت بتراجع مستويات الإصدار الإقليمي، والتوقعات للفترة المتبقية من هذا العام.
هناك عدد من العوامل التي أثرت في ذلك، من ضمنها تراجع الحاجة للتمويل؛ لأن العديد من الشركات الخليجية تواصل نشاطها من خلال برامج استثمارية محدودة نسبياً. وفي ظل التطورات السياسية الإقليمية والدولية، نعتقد بأن مستوى تقييم المستثمرين العالميين للمخاطر في منطقة الخليج قد ارتفع خلال الشهور الـ12 الفائتة، مما دفع بعض مُصْدري الصكوك إلى تأجيل أي إصدارات محتملة في الوقت الحالي.
ولا نتوقع حدوث أي تغيّر كبير على هذا الوضع في النصف الثاني من العام. وفي حال عدم إجراء أي إصدارات كبيرة غير متوقعة، فإننا نتوقع بأن تبقى إصدارات الصكوك من قبل الشركات وكيانات البنية الأساسية دون مستويات العام 2017.
كيف كان أداء إصدار الصكوك في النصف الأول من العام 2018؟
في حين جمعت الشركات وكيانات البنية الأساسية في منطقة الخليج ما يزيد عن 7.6 بليون دولار أمريكي من خلال إصدار الصكوك في العام 2017، كان الإصدار محدودا جدا في النصف الأول من العام 2018، حيث قام خمسة مُصْدرين بإصدار صكوك بقيمة 2.6 بليون دولار أمريكي، مما يعني تراجعاً بنسبة 60 %، مقارنةً بجم الإصدارات في النصف الأول من العام 2017 والتي بلغت حينها 6.5 بليون دولار أمريكي.
وعلى مدى الشهور الـ18 الفائتة، هيمن القطاع العقاري على عدد الإصدارات، حيث بلغ عدد إصدارات هذا القطاع 10 من أصل 16 إصداراً في تلك الفترة. وقد فسّر ذلك حاجة القطاع للتمويل طويل الأجل في ظل تراجع المبيعات وانخفاض رغبة البنوك في المخاطرة؛ نتيجةً لاستمرار تراجع أسعار العقارات في بعض الدول الخليجية، وعلى وجه الخصوص في الإمارات العربية المتحدة وقطر.
ما هي الدوافع الرئيسية التي تقف خلف تراجع الإصدارات وتوقعات هذا العام؟
1.السوق ما تزال صغيرة وغير متنوّعة، مما يؤدي إلى نماذج إصدار متقلبة. في حين أنه يوجد في الدول الخليجية عدد جيّد من البنوك الإسلامية، التي عادةً ما تقوم بإصدار الصكوك بشكل متكرر، إلا أن عدد الشركات التي تقوم بإصدار الصكوك قليل، وهذا يؤدي إلى تقلب الحجم السنوي لإصدارات الصكوك.
على سبيل المثال، إن أكثر من 50 % من إجمالي إصدارات الشركات وكيانات البنية الأساسية، والذي بلغ 7.6 بليون دولار أمريكي العام الفائت، كان مدفوعاً من أنشطة كل من شركة أرامكو السعودية، التي قامت بإصدار صكوك بقيمة 11.25 بليون ريال سعودي (نحو 3 بليونات دولار أمريكي) ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية، التي قامت بإصدار صكوك بقيمة بليون دولار أمريكي، حيث إننا حتى الآن لم نشهد إصدارات بهذا الحجم هذا العام.
2.تحسّن السيولة لدى البنوك، إذ شهدنا منذ العام 2017 وحتى الآن تحسُّناً ملحوظاً في السيولة لدى البنوك الخليجية؛ نتيجة لاستقرار أسعار النفط، والإصدارات الكبيرة من قِبل بعض الحكومات السيادية التي قامت بضخ السيولة في النظام المصرفي المحلي، والتراجع في نمو الإقراض يفسّر ذلك. ولا نتوقع تغيُّراً كبيراً على هذا المشهد خلال الشهور الـ12 المقبلة، كوننا نعتقد بأن نمو الإقراض سيبقى محدوداً، وبأن تبقى السيولة المحلية قوية.
3.الضعف النسبي في برامج الإنفاق الرأسمالي للشركات، فبالرغم من تحسّن أسعار النفط، نعتقد بأن العديد من الشركات الخليجية تبقى حذرة، وهذا بدوره أدّى إلى تراجع في البرامج الاستثمارية في بعض القطاعات. أدّى تطبيق ضريبة القيمة المضافة، والإصلاحات في برامج دعم الطاقة، والمبادرات الحكومية لتعزيز الإيرادات إلى تعرّض بعض القطاعات لضغوط. بالإضافة إلى ذلك، إن توقعات المشاركين في السوق بأن أسعار الفائدة العالمية ستستقر عند مستويات أعلى يقود المُصْدرين أيضاً إلى تقليل الإنفاق.
4.ارتفاع تقييم المستثمرين الدوليين لمستوى المخاطر في الدول الخليجية، فقد شهدت الشهور الـ12 الفائتة العديد من التطوّرات السياسية الدولية والإقليمية، والتي نعتقد بأنها أدّت إلى تراجع رغبة المستثمرين الدوليين بالصكوك الخليجية. ومن بين هذه التطورات إعادة فرض الولايات المتحدة الأمريكية للعقوبات على إيران، واستمرار التوتر بين إيران وبعض الدول الخليجية، ومقاطعة بعض الدول الخليجية والعربية لقطر. كما نعتقد بأن الوضع الحالي للتجارة العالمية عموماً ليس في صالح أسواق رأس المال الناشئة، بما فيها منطقة الخليج. وبالتالي، فإن بعض المُصْدرين الذين كانوا يخططون للإصدار في النصف الأول من هذا العام قرروا التريث حتى تتضح لهم الصورة.
5.المسائل العالقة التي برزت بعد قضية دانا غاز، فبالرغم من أن شركة دانا غاز قد توصلت إلى اتفاق لإعادة الهيكلة خارج المحكمة مع المستثمرين لديها، إلا أن هذه القضية كانت بمثابة جرس إنذار للقطاع لأنه لم يتم حتى الآن توحيد الوثائق القانونية لإصدار الصكوك وتوحيد تفسير الأحكام الشرعية. كما سلّطت قضية دانا غاز الضوء على مسألة سريان القوانين القضائية الأجنبية في الأسواق الناشئة. ونعتقد بأن ذلك سيقود المستثمرين إلى الانتباه أكثر إلى محتوى الوثائق القانونية في المديين القريب والمتوسط وإلى تراجع مستوى رغبتهم في المخاطرة عندما يتعلق الأمر بالاستثمار في إصدارات الصكوك الخليجية.
وبينما يدور الحديث في السوق حول عدد قليل من الإصدارات الانتقائية في النصف الثاني من العام، ما تزال توقعات إصدارات أضعف من تلك التي شهدناها في العام 2017، إلا في حال حدوث تحسّن غير متوقع في الآفاق الاقتصادية العالمية والإقليمية.