الطاقة المتجددة.. الاستثمار في المستقبل

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٩/يوليو/٢٠١٨ ٠٤:١٢ ص
الطاقة المتجددة.. الاستثمار في المستقبل

محمد بن محفوظ العارضي

بالطبع لـــن ينضب النفط غداً، ولا حتى بعد 50 عاماً، ربما يكون ذلك بعد 100 عام، حسب أكثر التوقعات تشاؤماً، ولكن تتزايد أهمية الاستثمار في الطاقة المتجددة يوماً بعد يوم.

نظرياً، تخبر الأرقام بأن النفط عاجلاً أم آجلاً سينضب، والمعادلة بسيطة، فالبشر استخرجوا من باطن الأرض منذ اكتشاف البترول قبل أكثر من 125 عاماً حتى الآن -نحو تريليون برميل وهناك تريليون آخر كاحتياطي مؤكد، وثالث سيجري اكتشافه في أقصى تقدير خلال السنوات المقبلة.

وفي مقابل هذه التقديرات المتباينة لموعد نضوب النفط فإن بعض الخبراء يذهبون إلى القول إن النفط لن ينضب، وإن الاحتياطيات النفطية تجدد نفسها ذاتياً، لأن الخام يتشكل من الهيدروجين في باطن الأرض، وهذه العملية تجري باستمرار بدون توقف.
المواعيد عديدة، والمعلومات متناقضة، والنظريات وتبريراتها لا تعد ولا تحصى. قبل عقدين توقع العلماء نضوب النفط في العالم، وحددوا منتصف القرن الحادي والعشرين موعداً، لكن هذا السيناريو لا يبدو أنه سيتحقق بالكامل، فالحديث عن النفط لم يعد يرتبط بالخام التقليدي، بل بغير التقليدي، كالنفط الصخري والرملي، وحتى النفط الثقيل الموجود في بعض مناطق العالم.
التناقض نفسه يظهر عند الحديث عن نفط دول الخليج، فتارة تجد دراسة تتوقع نضوبه خلال ثلاثة عقود، وأخرى خلال 140 عاماً، ثم تخرج نظريات جديدة تتحدث عن عدم نضوبه على الإطلاق. وبالنسبة للسلطنة، تذهب التقديرات إلى أن رحلة النضوب أو بالأحرى انخفاض الإنتاج التدريجي بدأت منذ مطلع الألفية الثالثة، والتقارير عن نضوب حقول نفطية في السلطنة ما تنفك تظهر بين حين وآخر، الأمر الذي دفع الحكومة إلى الإعلان لاحقاً عن خطة خمسية تمتد من 2016 إلى 2020، يجري بموجبها خفض الاعتماد على النفط، مع الشروع في تنويع الاقتصاد إلى قطاعات أخرى تمتلك فيها السلطنة ميزات نسبية مثل السياحة والصناعة والتجارة والزراعة والخدمات المالية وغيرها، وذلك لتفادي أي مشاكل اقتصادية محتملة بسبب تذبذبات أسعار النفط أو تراجع إنتاجه في السلطنة.
وبغض النظر عن دقة التقديرات المتعلقة بمستقبل النفط وموعد نضوبه، فالمؤكد أن أهميته الاستراتيجية ووزنه النسبي في الاقتصاد العالمي تتراجع شيئاً فشيئاً، وسيزداد هذا التراجع في المستقبل القريب، مع ظهور بدائل للطاقة أقل كلفة وأوطد صداقة مع البيئة.
ولهذا فإن التوجه الجديد نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحة حتى في أكبر البلدان المصدرة للنفط، أو تلك المالكة لأكبر الاحتياطات النفطية المؤكدة، وتوقعت دراسة حديثة صادرة عن شركة الاستشارات الإدارية «استراتيجي آند الشرق الأوسط» أن ترتفع الاستثمارات العالمية السنوية في قطاع الطاقة المتجددة إلى 130 بليون دولار لتبلغ حوالي 370 بليون دولار في العام بحلول 2020، كما توقعت أن يصل حجم استثمار دول مجلس التعاون الخليجي في هذا المجال إلى 16 بليون دولار سنوياً بحلول 2020 بحيث يكون الإجمالي التراكمي للاستثمارات 40 بليون دولار أمريكي في حالة تبني القرارات والسياسات الصحيحة.
وتعكف الجهات المعنية في السلطنة حالياً على تنفيذ الخطط الواردة في «رؤية عام 2020» والرامية إلى إنتاج 10% من متطلبات السلطنة من الكهرباء عن طريق موارد الطاقة المتجددة. وفي فبراير الفائت تم افتتاح مشروع «مرآة» للطاقة الشمسية في منطقة مرمول بمحافظة ظفار جنوبي البلاد، ليكون أحد أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم، ويهدف المشروع إلى توليد حوالي 1021 ميجاوات من الطاقة الحرارية، لتُستخدَم في توليد بخارٍ يفصل النفط الثقيل عن الخفيف، ما يسهل عملية استخراجه من «حقل أمل» النفطي، ويوفر المشروع بعد استكماله 5.6 تريليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي سنوياً، وهي كمية يمكن الاستفادة منها في توفير الكهرباء للمنازل لأكثر من 209 آلاف شخص في السلطنة. ويساهم في خفض انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 300 ألف طن سنوياً، ويضم المشروع، الذي بدأ العمل به قبل عامين 36 بيتاً زجاجياً، وتبلغ المساحة الكاملة له مع جميع مرافقه 3 كيلومترات مربعة أي ما يعادل أكثر من 360 ملعب كرة قدم.
كما أن العمل في تشييد أول وأكبر محطة لتوليد الطاقة من الرياح في منطقة الخليج وهي محطة «ظُفار لطاقة الرياح» يسير على قدم وساق، ومن المتوقع أن تبلغ القدرة الإنتاجية للمحطة 50 ميجاوات، وسيتم ربط المحطة مع الشبكة الرئيسية بظفار، وبطاقة إنتاج تقدر بـ160 جيجاوات/ساعة سنوياً، وسيجري تشييد 13 توربينة للرياح، ومن المقرر أن توفر المحطة الكهرباء النظيفة لقرابة 16 ألف منزل، وأن تحد من انبعاثات ما مقداره 110 آلاف طن سنويًّا من غاز ثاني أكسيد الكربون.
وتمتلك سلطنة عمان ميزات نسبية مهمة في مجال الطاقة المتجددة، إذ أنها تتمتع بواحد من أعلى معدلات نقاء السماء، وتستقبل يومياً الإشعاع الشمسي الذي يتراوح ما بين 5500 إلى 6000 وات ساعة لكل متر مربع في اليوم خلال شهر يوليو من كل عام، وحتى في فصل الشتاء يظل هذا المعدل مرتفعاً إذ يتراوح ما بين 2500 إلى 3000 وات ساعة لكل متر مربع في اليوم في شهر يناير، مما يجعلها واحدة من أعلى كثافات الطاقة الشمسية في العالم.
ولا تنبع أهمية الاستثمار في الطاقة المتجددة من كونها بديل أفضل للوقود الأحفوري، أو لأنها تجنب الاقتصاد العماني بعض الآثار الجانبية السلبية للتذبذبات الحادة لأسعار النفط كما حدث في السنوات الأخيرة، ولكن لكونها مورداً مهماً لا يجب الاستمرار في عدم الاستفادة منه بالشكل الأمثل، ناهيك أنها تتيح فرصاً استثمارية هائلة للشركات الوطنية كما يمكن أن تساهم في تدفق الاستثمارات العالمية على السلطنة من كيانات عالمية عملاقة ترى في الطاقة المتجددة الاستثمار الأجدى في المستقبل.
كما أن التوجه الطاقة المتجددة من شأنه إحداث تغييرات جذرية إيجابية في المنظومة الاقتصادية للسلطنة، فالمعروف أن نماذج التنمية في الدول الغنية بالموارد الطبيعية غالباً ما تشهد خلطاً بين النمو الاقتصادي الذي يستهدف زيادة الناتج الإجمالي من السلع والخدمات وغيرها من جهة، وبين نموذج التنمية الاقتصادية بمفهومها الواسع الذي يشمل إضافة إلى الاهتمام بمعدل النمو الاقتصادي الرقمي والكمي أبعاداً أخرى إنسانية واجتماعية وثقافية، أي يهتم بالاستثمار في البشر توازياً مع اهتمامه بتنمية الموارد وحسن إدارتها واستثمار عوائدها بالشكل الأمثل.
وهذا يتطلب أيضاً استثماراً موازياً لتأهيل كوادر عمانية قادرة على التعامل مع منظومة الطاقة المتجددة وما ستحدثه من متغيرات اقتصادية، وذلك من منطلق أن تطوير العقول البشرية هو العملة العالمية الرائجة لاقتصادات المستقبل.

رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في إنفستكورب

محمد بن محفوظ العارضي