الغموض والصراع اليمني

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠٥/يوليو/٢٠١٨ ٠٣:١٤ ص
الغموض والصراع اليمني

علي ناجي الرعوي

يسعى المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن مارتن غريفيث هذه الأيام عبثاً إلى إطلاق دينامية جديدة في المشهد اليمني تمكنه من تحقيق اختراق في جدار الأزمة وإعادة أفرقاء الصراع إلى طاولة الحوار في ظرف زمني قصير وقياسي ربما لن يتجاوز نهاية يوليو الجاري وذلك بعد إعلان السويد التي سترأس هذا الشهر مجلس الأمن الدولي استعدادها لاستضافة المفاوضات اليمنية، والتي يحرص الدبلوماسي البريطاني على التئامها في اسرع وقت ممكن لما من شأنه التوصل لحل أزمة الحديدة ومينائها الاستراتيجي أولا ومن ثم إعادة تحريك المسار السياسي لبحث الحل الشامل للصراع وإعادة السلام والاستقرار إلى هذا البلد الذي ينزف دما للعام الرابع على التوالي.

لقد عاد مارتن غريفيث هذه المرة الى صنعاء الأحد الفائت من نافذة الاتحاد الأوروبي الذي لا شك وانه كان قد مارس الكثير من الضغوط على التحالف العربي، وحكومة الرئيس هادي بهدف التريث ومنح المبعوث الأممي فرصة جديدة لحل أزمة الحديدة ومينائها على اعتبار أن العملية العسكرية الهادفة الى انتزاع السيطرة على الحديدة من جماعة أنصار الله ستكون لها عواقب وخيمة على السكان المدنيين هذا إن لم تسهم في تفاقم الوضع الإنساني الذي وصل في الأصل إلى مستويات كارثية منذ ما يقرب من العامين عوضا عن تأثيرات أي مواجهة عسكرية على صعيد عمل ميناء الحديدة المرفأ الرئيسي الذي تصل إليه نحو 70 % من الإمدادات بما فيها الوقود والمواد الغذائية والمساعدات الإنسانية وإلى جانب كل ذلك فإن أبرز النقاط المحورية في الموقف الأوروبي المعارض للعملية العسكرية في الحديدة تتمثل بالتهديد الذي قد تشكله تلك العملية على جهود المبعوث الأممي وخطته التي أعداها للسلام في الأشهر الأخيرة سيما وأن مارتن غريفيثقد عبر عن ذلك صراحة في أكثر من مناسبة.

حتى اليوم فقد تركت تلك المواقف الأوروبية بصماتها المباشرة على سير معركة الحديدة فهي وان لم تكن قد نجحت في إيقافها فأنها من عملت على تجميدها منذ اكثر من أسبوع لتنتقل هذه المعركة إلى بند أساسي في المشاورات التي يقودها المبعوث الأممي بلقاءات منفصلة مع الأطراف المعنية التي اكتشفت ربما أن هذه المعركة المؤجلة في الساحل الغربي لليمن لم تعد معركة بين البيادق، وإنما أصبحت معركة بين الكبار الذين يخوضون سرا وعلانية صراع إرادات يحمل الكثير من المحاذير وبإمكاننا أن نقرأ ما كتبه الأوروبيون في أعقاب لقائهم بالمبعوث الأممي قبل أيام في بروكسل حيث بات من الواضح أن الحرب قد وفرت للأوروبيين فرصة للعودة إلى اليمن بغطاء إنساني ودعم جهود السلام ولذا أصبح من الملاحظ أن ملف اليمن يزداد تعقيداً بسبب الصراع الاقتصادي الكبير بين الكبار ومحاولة كل منهم أن يكون له موطئ قدم في هذا البلد الذي يطل على أهم الممرات المائية للتجارة العالمية.
مبدئيا وظاهريا فان المبعوث الأممي يأمل في استثمار هذه اللحظة لفرض تسوية سلمية تتضمن حل إشكالية الحديدة وإحياء المفاوضات السياسية المتوقفة منذ عامين خصوصا وأن هناك ثلاث ديناميكيات تحفزه على ذلك أولها: انفتاح حركة أنصار الله لأول مرة على مقترح تسليم ميناء الحديدة للأمم المتحدة لتتولى مسؤولية إداراته والرقابة على عائداته المالية.. وثانيهما هي رغبة بعض الدول الأوروبية نقل دائرة التأثير في الملف اليمني من المنطقة وربط هذا الملف بالرؤية الاقتصادية والسياسية الأوروبية ولذا فقد اصطحب المبعوث الأممي سفيرة الاتحاد الأوروبي معه خلال زيارته لصنعاء، ومن قبل ذلك كانت وزارة الخارجية السويدية قد أرسلت مبعوثا الى سلطة صنعاء للتباحث معها بشأن خطة التسوية وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام القريبة من دول التحالف العربي الى القول: إن بعض الدول تحاول فرض تسوية للملف اليمني لا تقدم أي تطمينات للبلدان المحيطة باليمن من ناحية امنها القومي والاستراتيجي وكأنها بذلك تحاول ابتزاز دول الإقليم ومقايضة مصالحها بالأمن القومي لتلك الدول أما ثالث تلك الديناميكيات أو المحفزات فتتعلق بطبيعة الترتيبات التي تتم خلف الكواليس على نطاق الطاولة الدولية بشأن ملف اليمن والوضع في المنطقة عموماً وهي ترتيبات يعتقد البعض أنها من تتجه إلى تبريد ملفات المنطقة ابتداء من شمال سوريا ومرورا بالوضع في اليمن والأزمة الخليجية قبل أن يذهب ترامب وإدارته إلى بحر الصين الجنوبي لملاقاة القادة الصينيين وقبل التحرك عمليا في اتجاه صفة القرن بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ورغم أهمية هذه المحفزات فإنها التي لا ترقى إلى المستوى الذي يبشر فعلاً بإمكانية تجسير مواقف الأطراف المتنازعة في اليمن ودفعها لتقديم التنازلات والقبول بخطة مارتن غريفيثالتي يصر على وصفها بانها (الفرصة الأخيرة) للسلام مع أن باطن حقيقة الأشياء يؤكد على أن مثل هذا الرهان ما زالت تعترضه الكثير من التحديات بصورة أكبر مما نتخيل أو نتوقع بل إن العديد من الشواهد قد برهنت في السنوات الفائتة على أن خطط الأمم المتحدة و مبادراتها مع الأسف قد ساهمت في إطالة أمد الأزمة اليمنية هذا إن لم تكن قد نجحت في تحويل هذه الأزمة إلى عقدة حقيقية أصبح حلها يحتاج إلى ما يشبه المعجزة.
نصف الكأس الممتلئ في خطة مارتن غريفيث يشير إلى أن اليمن سيكون على موعد بعد أسابيع قلائل مع مفاوضات سياسية جادة باتت اليوم تحظى بقبول جل القوى اليمنية وهو مؤشر إيجابي من وجهة نظره سيفتح بكل تأكيد نافذة أمل كبيرة أمام اليمنيين لتجاوز أزمتهم والخروج من مستنقع الحرب ومسلكية الفوضى والعنف التي تنغص حياة المواطن بشكل يومي وتجعل منه كمن يجري عكس التيار مع ذلك فإن نصف الكأس الفارغ فيه من العقبات والألغام ما يمكن أن يفجر كل هذه الآمال والتحركات ويعيد الأزمة إلى المربع الأول في أية لحظة ولا أظن أن أية تسوية ستتحقق ويكتب لها النجاح ما لم تكون هذه التسوية قادرة على مخاطبة الأسباب الرئيسية للازمة ومعالجتها بشكل صحيح وهذا ما لم نراه حتى الآن.
لكي يتخطى اليمن ازمته وصراعاته وحروبه من الوجاهة هنا أن تتوقف كل الأطراف عن تحويل الساحة اليمنية إلى ساحة صراع مصالح ونفوذ لقوى إقليمية وأجنبية إذ إنه ومنذ سنوات ونحن نكرر نفس هذا الكلام إلا إننا في النهاية نجد انفسنا ندور حول الحلقة المفرغة ذاتها والمشكلة أن لا أحد يفهم لماذا لا نزال في ذات المربع وذات الحرب وذات المخاض الذي نبحث فيه عن سلام مفقود وحياة لا تعود؟

كاتب يمني