الصداقة البراجماتية!

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٤/يوليو/٢٠١٨ ٠٣:٥٥ ص
الصداقة البراجماتية!

علي بن راشد المطاعني

من التغيرات التي صاحبت المدنية الحديثة وإفرازاتها السلبية، طغيان البراجماتية في التعاملات الإنسانية بين الأفراد، وتواري وانزواء مصفوفة القيم والأخلاقيات الحميدة في العلاقات بين الناس للأسف، ووسط كل دياجير هذه العتمة أضحى التعارف والتقارب والصداقات بين بني الإنسان مقترنا بوجود (مصلحة) كشرط أساس لاستمرار زخم هذا الود والوداد، وبات الشعار مرفوعا جهرة ويقول إن سفن الصداقة تتوجه لأصحاب المناصب والوظائف العالية وحدهم، لأن المصلحة الدنيوية الزائلة تقتضي ذلك، ومتى ما انتهى أوان الوظيفة بعد سحب (الكرسي) الذي يدور حوله كل العراك أصلا في هذه الفانية، تنتهي الصداقة أيضا وفورا، وذلك لانعدام مسببات استمرارها.
هو واقع يثير الحسرة والأسى لما آل إليه واقع هذه الكلمة ناصعة البياض لونا وشكلا ومضمونا عبر العصور، كما تعلمنا من الأعراف والقيم الاجتماعية المتوارثة أبا عن جد والمتوجة بآيات محكمات أوضح فيها رب العزة الهدف والغاية من حقيقة أنه جعلنا شعوبا وقبائل، ذلك ما أوضحته الآية 13 من سورة الحجرات {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} صدق الله العظيم.
والحكمة تكتنز في التعارف بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان عميقة الغور، إذ تندرج الصداقة تحتها بدون أدنى شك، ولكن ما هي الصداقة المعنية، بالطبع ليس المقصود صداقات المصلحة السائدة الآن.
إن المؤشرات المؤكدة على أن الصداقة باتت قائمة على المصلحة لا على الحب والإيثار والوئام كما كانت هو نذير شؤم ويعني جمود المشاعر وتبلدها وجنوحها الكامل للاقتداء بلغة الغاب وفي نهاية المطاف فالمحصلة المؤكدة هي فقدان إنسانيتنا بالكامل لنغدو مخلوقات بشعة شكلا ومضمونا وسلوكا يفوق الكواسر ضراوة.
فالإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم هاهو يفقد -في هذا العصر الاستثنائي قبحا- وباختياره، قيمه ومبادئه وإنسانيته وذلك بسبب غرض زائل لا محالة وهو المال والجاه والسلطة والنفوذ، حدث هذا يوم ابتعدنا لحد الخطر عن كتاب الله عز وجل ولم نعد نتلوه بالتدبر الواجب لنعلم بعدها أن هذا النعيم الذي نلهث في طلابه زائل لا محالة، إذن نحن نركض خلف السراب لا أكثر.
إن العلاقات الإنسانية والاجتماعية النظيفة أصبحت اليوم معدومة إلا ما رحم، فالكل يضع نصب أعينه الحفاظ على صديقه الأثير بأي ثمن، وتحت كلمة ثمن نضع ألف خط أحمر، لنجد بعدها أن كل تلك الخطوط الحمراء كالسعير تعني معنى واحدا فقط هو المصلحة الشخصية الصرفة، وعلى أصحاب المناصب في الماضي الجلوس لأنفسهم للحظات ليتدبروا الحكمة من انخفاض أعداد الأصدقاء لمستوى الصفر بعد أن فقدوا وظائفهم، وليوقنوا بعدها أن الصداقة كانت للوظيفة التي ذهبت وليس لشخوصهم التي لا تساوي مثقال ذرة من تراب.
على الصعيد الإنساني نعم هي كارثة ولا نعلم كيف يتسنى لنا العودة إلى إنسانيتنا المضيعة في أتون لهيب الذات الأمارة بالسوء.