نعم للمعلم الأجنبي

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠٤/يوليو/٢٠١٨ ٠٣:٥١ ص
نعم للمعلم الأجنبي

د. لميس ضيف
lameesdhaif@gmail.com

أتت مع رياح التغيير في الخليج، والضغوط الشعبية لتوطين الباحثين عن العمل في وظائف تستقيم معها سفينة حياتهم، عاصفة نفور مستتر من كل ما هو وافد وأجنبي. منذ يومين أعلنت وزارة التربية والتعليم عن إنهاء خدمات 501 معلم من الوافدين وإحلال مواطنين عوضا عنهم. بعد أن عملت الوزارة على حصر، حتى من لم يتخرجوا بعد، واستعانت بجامعة السلطان قابوس -كبيت خبرة- لمساعدتها على تصميم امتحانات للخريجين الذي نجح منهم 62% (فقط) وهو ما يــــــثير علامة استفهام بطول السنوات الأربع التي درســـــوها، واجتازوها بنجاح في الجامعات، ليخفقوا بعدها في امتحانات الوزارة وحبر شهاداتهم لم يجف بعد!

ليس هذا موضوع حديثنا. بل حقيقة أن البعض احتج واستاء من حقيقة أن وزارة التربية ما زالت ترسل لجان إعارة للدول العربية لاستقطاب كفاءات للتعليم. وينزعج البعض من وجود حوالي 10 آلاف معلم ومعلمة من جنسيات عربية في السلطنة اليوم رغم أنهم لا يمثلون سوى 15% من المجموع الكلي للمعلمين. وهو ما دفع الوزارة للتبرير بأن بعض التخصصات تعاني من الشح، وأن الوزارة ما زالت تحتاج لاستكمال شواغر قبل بدء العام الدراسي الجديد.

كثير من الأجيال الموجودة اليوم، وبعض من فيها على رأس مناصب مرموقة، تتلمذ على أيدي طاقات عربية. حتى وقت قريب جداً كان الطلبة يتعلمون اللغة العربية من معلم فلسطيني، والفلسفة من معلم أردني، وكان معلم الرياضيات دوما مصريا، ومثله معلم الموسيقى. ونُدين نحن جيل الطيبين بكثير من ثقافتنا وسعة اطلاعنا، بل والبنية المتينة لشخصياتنا، لهؤلاء المعلمين والمعلمات الذين جاؤوا من بيئات أكثر صرامة من بيئتنا فأرهبونا وأفادونا. منهم من نجح وفيهم من أخفق ولكن فسيفساء المعلمين والمعلمات في مدارسنا آنذاك كانت فريدة، وقد نالنا من قطاف تفردها الشيء الكثير.
لو كان الأمر بيدي، ولا أقدم رأيي على الحكومة فهي “أبخص” دوما، لوسعت رقعة الخبرات الأجنبية في المدارس لا سعيت لحسرتها. واستعنت ببعض الأجانب من الهند والسند لبعض المواد كالحاسوب والرياضيات واللغة الإنجليزية وغيرها. وليكن الشاب الخريج متدربا ومساعد معلم لسنوات قبل أن يأخذ مكان هذا المعلم. فثقاب التعليم الذي يضيء للأجيال مادة لا يمكن العبث بها. والحق أن الجامعة لا تخرج مختصين، بل تمنحهم مفاتيح للخبرة تتراكم بالممارسة والممارسة فقط. وليس التعليم كسائر المهن “ليزج” الناس فيه ببساطة بناء على امتحانات ورقية. فالتعليم هو بناء الإنسان، وهو أساس كل شيء، وأرضية مستقبلنا، والأمل الذي نحيك به دثار السنوات المقبلة.
إن التشدد في اختيار المعلمين، من الداخل والخارج، واجب وطني. والتنقيب عن الكفاءات بغض النظر عن جنسيتها؛ والدفع بها للتلامذة منفعة تفوق تلك التي يمكن جنيها من توظيف حديثي التخرج وامتصاص غضبهم. فالاستثمار في الأجيال الناشئة هو أثمن وأدق استثمار لأي دولة. ومن الممدوح تدريب الخريجين على أيدي أصحاب الخبرة في المدارس عوضا عن أن يتدربوا في الصفوف أليس كذلك؟
والله من وراء القصد.