
علي بن راشد المطاعني
في لقاء رجال الأعمال العُمانيين والإيرانيين بغرفة تجارة وصناعة عُمان جمعتني الصدفة وحدها باثنين من الشباب المهندسين الواعدين خريجي الكلية التقنية تخصص هندسة كهربائية، رأيتهما يتجاذبان أطراف الحديث مع الإيرانيين، الحاسة الصحفية السادسة دفعتني للحديث معهما إذ حسبتهما موظفين في إحدى الشركات أو مندوبي علاقات عامة لتخليص المعاملات، الحمد لله أن حدسي كان خاطئا، وذلك بعد أن سألتهما عن سر وجودهما بين كبار رجال الأعمال، فعرفت أن كلا منهما يدير شركة خاصة به لتوصيل الكهرباء وإصلاح الأعطال في المنازل بولاية إزكي، وإنهما جاءا من تلقاء نفسيهما للاطلاع على فرص استثمار مشترك أو شراكة من نوع ما مع الإيرانيين.
حقيقة سرني هذا الطموح، بل كان مبعث فخري وإعزازي، فأعمارهما لا تتجاوز الـ25 عاما لكل منهما، ولكن أفكارهما ونظرتهما البعيدة الثاقبة تتجاوز هذا العمر كثيرا، وتبادلنا أنخاب التعارف والتحايا والتقدير، ولقد وجدت أنهما من المتابعين لما نكتب، فالأول محمد السليمي صاحب الشركة المتحدة الكهروميكانيكية، والآخر محمد الراشدي، وكلاهما من ولاية أزكى، هما زميلان درسا وتخرجا في الكلية التقنية بنزوى، وأنشأ كل واحد منهما شركة توصيل الكهرباء للمنازل قيد الإنشاء، وأعمال الصيانة وإصلاح الأعطال الكهربائية، كل في ولايته، فسألتهما عن العمل الحر في خضم التنافس القائم من القوى العاملة الوافدة، فأقرا بوجودها وأكدا أنها غير متكافئة مع القوى العاملة الوافدة ويعانيان منها، ولكن ثقة المواطن اليوم في القوى العاملة الوطنية ذات الكفاءة أضحت أكبر من ذي قبل.
لقد أثلجت صدري تجربة هذين الشابين التي لم تنتظر قطار الوظيفة الذي قد يتأخر وقد لا يأتي أبدا، فهما وبعد أن نهلا من ينابيع العلم انطلقا لرحاب العمل الحر، مؤمنين أن الدراسة هي البداية التي تقود لاقتحام غابات الصعاب والتي تؤهل للسير في طريق الأشواك الطويل.
وبعد أن فارقتهما سألت نفسي كم ترى لدينا من الخريجين في كل الولايات والحارات والأزقة، وبإمكانهم الشروع في إنشاء أنشطة مماثلة كل في مجال تخصصه، وكم فرصة عمل من الممكن أن تتوفر من خلال تشغيل مواطنيهم، والأهم ما هو الدعم الذي يمكننا أن نقدمه كمجتمع وكجهات لمثل هذه المبادرات والأفكار لدفع الطاقات الشابة نحو ريادة الأعمال.
بالطبع بقليل من الإرادة الصادقة يمكننا بالفعل تبني العديد من هذه النماذج التي نحن في أمسّ الحاجة إليها ميدانيا وواقعيا وعمليا، فكل ولاية يجب أن تعمل ما يكفي لتمكين أبنائها من ريادة الأعمال وحصر الأعمال التي تتوفر لها مخرجات وتمكينها بالتعاون مع الجهات المختصة كهيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، غيرها من الجهات التي بالطبع لن تتوانى عن دعم أي مبادرة لتمكين أبنائنا.
ففي السلطنة 62 ولاية، ونستطيع القول إنها في حاجة ماسة لشركات ناشئة في كافة المجالات المماثلة في صيانة المنازل والمحلات التجارية في الأسواق وغيرها ولدينا مخرجات في كل التخصصات، فكلياتنا ما برحت تخرج المزيد من الكفاءات، الغالبية منهم يستلمون شهاداتهم ثم يهرعون إلى ظل أشجار الانتظار للوظائف الحكومية والخاصة، وهذا هو ما جعل قوائم الباحثين عن عمل تستطيل وتكبر مع كل صباح جديد مهددة الأمن الاجتماعي بشكل واضح، في حين إن الأمل الأكبر هو في ريادة الأعمال والأعمال الحرة في كل المجالات وهو ما يجب أن نعمل على تعزيزه وبلورة أفكار كثيرة لوضعه على أرض الواقع يستوعب رواد الأعمال كأحد الحلول التي تحتاج إلى عمل ممنهج.
نأمل أن نرى أكثر من محمد ومحمد في كل الولايات مع بعض التعزيز والتوجيه الذي يأخذ بيد الشباب إلى طريق الأعمال الحرة وريادة الأعمال الذاتية باعتبارها الخيار الأهم والأفضل، وعلى الجهات الحكومية بولاية إزكي والولايات المجاورة أن تمنح جزءا من الأعمال الكهربائية وإصلاح الأعطال لهذين الشابين، كما أن على المجتمع أن يشجع مثل هذه المبادرات الشابة فهؤلاء رجال أعمال المستقبل، بل على كل ولاية أن تسهم في الجهد الوطني بتمكين أبنائها من ريادة الأعمال.