الخيبة العربية

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٢٨/يونيو/٢٠١٨ ٠٣:٥٥ ص
الخيبة العربية

علي ناجي الرعوي

استبشر العرب خيراً وتبادل قادتهم التهاني ابتهاجا بتأهل أربعة منتخبات عربية إلى نهائيات كأس العالم 2018، إذ إنها المرة الأولى التي يكون فيها للمتحدثين بلغة الضاد مثل هذا الحضور الكبير منذ أول ظهور لهم في أهم محفل رياضي على وجه الأرض قبل 84 عاماً عبر مشاركة المنتخب المصري في مونديال إيطاليا العام 1934.

وفي غمرة الانبهار بتأهل منتخبات السعودية ومصر والمغرب وتونس إلى مونديال روسيا خرج علينا الإعلام العربي بمختلف وسائله ليتحدث عن هذا الإنجاز الاستثنائي والذي احتاج حسب هذا الإعلام إلى زمن طويل حتى تتراكم الخبرات والمهارات لدى الشباب العرب قبل أن يباغت الجميع، ويعلن عن نفسه من خلال هذه السابقة التاريخية ليساهم الإعلام العربي بقصد أو بدون قصد عبر هذه الاستنتاجات المتعالية على الواقع والمستويات الحقيقية لكرة القدم العربية في تمنيت شعوبنا بإنجازات بحجم هذا الحضور العربي في الأراضي الروسية إلا أن تلك الأمنيات سرعان ما اصطدمت بالخيبات، والهزائم المتتالية التي تلقتها المنتخبات الأربعة لتسجل في الأيام العشرة الأولى من منافسات المونديال أسوأ النتائج بدءاً من خماسية الدب الروسي في مرمى السعودية في مباراة الافتتاح، ومرورا بأهداف الدقيقة الـ90 التي تلقتها تباعا مصر والمغرب وتونس وصولاً إلى خسائر الجولة الثانية التي كان أكثرها مرارة خماسية بلجيكا في الشباك التونسي.

لم يكن للعرب أي بصمات تذكر في مونديال روسيا وكان إنجازهم الوحيد أنهم كانوا أول المغادرين للأراضي الروسية كما يفعل عادة (الضيف الخفيف) ليستمر المونديال بدونهم بعد أن فشل أي منهم في الوصول إلى الدور الثاني على غرار المنتخب الجزائري العام 2014 على أقل تقدير والذي اقصي حينها من قبل المنتخب الألماني بعد أن قدم أداء رجولياً ومشرفاً كما يحلو للعرب وصفه، ومثل هذه المشاركة العربية الباهتة والهزيلة لابد وأنها من تذكرنا بحكاية ذلك الرحالة الذي حل في مدينة كان أول ما اعترضه فيها مقبرتها الواسعة التي تقع على أبواب المدينة فأراد الترحم على موتاها إلا أن ما استوقفه هي تلك العبارات المكتوبة على شواهد القبور فكل ما مر على قبر قرأ: هذا قبر فلان الذي عاش ثلاثة أيام وهذا قبر فلان الذي عاش يومين وغير ذلك كثير فاستفسر عن الأمر فقيل له إن أهل المدينة لا يحسبون من أعمارهم إلا الأيام السعيدة فقال لهم: إن مت عندكم فاكتبوا هذا قبر فلان سافر في الدنيا شرقاً وغرباً ومات قبل أن يولد.
حيث إن حال هذا الرحالة يشبه إلى حد كبير حال منتخباتنا العربية ومشاركتها في نهائيات كأس العالم بروسيا فقد غادرت المونديال قبل أن تشارك وكل ما فعلته أنها من ضاعفت من أوجاع الجماهير العربية التي دخلت برفقة تلك المنتخبات إلى ملاعب روسيا من بوابة النقل الفضائي والتفت من خلاله وراء تلك المنتخبات، وكلها أمل بأن هذا الحضور العربي غير المسبوق ذهب الى موسكو بعقلية الإنجاز والفوز والانتصار وليس بعقلية شرف المحاولة أو البحث عن الخسارة بأقل الأهداف إلا أن تلك الجماهير قد فوجئت تماما بأننا كعرب بتنا أسرى للعقلية الانهزامية وانه ليس من حق الشعوب العربية أن تحلم أو أن تطلق العنان لخيالها بعد أن أصبحت النكسات والخيبات من مفردات حياتها اليومية أكان ذلك في ميادين السياسة والاقتصاد والتنمية أو في ميدان كرة القدم.
وعند هذه النقطة تحديداً كان من الطبيعي أن تنقلب فرحة أولئك الذين هللوا لتأهل هذا العدد من المنتخبات العربية إلى مونديال روسيا إلى خيبة وحسرة ليس بسبب الخروج المبكر لهذه المنتخبات فحسب وإنما بفعل الصورة البائسة التي ظهرت بها أمام منتخبات كانت إلى قبل سنوات نكرة على الجلد المدور لتصبح محل تندر وسخرية الآخرين كما وجدنا ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة فقد قال مهاجم المنتخب السويدي زلاتان ابراهيموفتيش ساخراً: (لو وقعت المنتخبات العربية المشاركة في كأس العالم بروسيا في مجموعة واحدة فلا أظن أن أي منتخب منها سيتأهل للدور الثاني) فيما وصف الإسباني فابريجاس نجم نادي تشيلسي الانجليزي المنتخبات العربية بأنها الأسوأ عن غيرها في المونديال بمسافة بعيدة وغرد مدرب إحدى المنتخبات الأوروبية على تويتر بقوله: لقد جاءت المنتخبات العربية إلى كأس العالم مدفوعة بفرحة الوصول إلى روسيا مع أنه كان بإمكانها حجز تذاكر السفر لمشاهدة مباريات المونديال دون المشاركة فيها ما دام وأن الكثير من أفرادها لا يجيد القيام بثلاث تمريرات متتالية بشكل صحيح.
لسنا بصدد جلد الذات والتي أصبحت سمة عربية خالصة ولا في وارد البكاء على اللبن المسكوب لكن لابد من الإقرار أن الفشل ليس في عدم النجاح وإنما الفشل هو في جهل أسباب عدم النجاح وهذا هو موطن الداء في كرة القدم العربية، وهي حالة لا علاقة لها البتة بإشكالية اللياقة البدنية والمهارات الفردية للاعب العربي أو بغياب الفكر الاحترافي لديه فهناك الكثير من اللاعبين العرب الذين اثبتوا وجودهم بقوة في الدوريات الأوروبية وغيرها كما أن موطن الداء هذا لا يرتبط من قريب أو بعيد بضعف الإمكانيات أو بمستوى الإنفاق على المنتخبات العربية أو حتى بمسألة الحظ وإنما الامر يرتبط باللياقة الذهنية للعرب وفهمهم للأمور وثقافتهم المتراجعة والفكر الانهزامي الذي يسيطر على الإنسان العربي والذي صار معه إنسانا بلا طموح وبلا أجنحة يطير بها عوضا عن ضعف الإدارة وافتقاد البلدان العربية للرؤية الثاقبة والسليمة للنهوض والتطور ومسايرة معطيات العصر وهذه العوامل السلبية مجتمعة ساهمت بلاشك في تخلف العرب في الرياضة والصناعة والتعليم والعلوم وغير ذلك من المجالات مما جعلهم في مجموعهم إن كان لهم مجموع لا يشكلون أي ثقل في الخارطة الدولية.
إن الصورة النمطية التي ساهمت وسائل الإعلام في نقلها عن أكبر مشاركة عربية في نهائيات كأس العالم والمستوى الضعيف والمتدني الذي اتسمت به هذه المشاركة لابد أنها قد أغفلت أن استعمال كرة القدم لا زال يستخدم في المنطقة العربية لغرض الهاء الشعوب أو لحسابات سياسية فيما صار العالم ينظر لهذه اللعبة كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية، وتعزيز قيم الولاء الوطني لدى الشباب وكذا من يتابعونهم في الميادين الرياضية أو في غيرها حاملين أعلام بلدانهم تعبيرا عن اعتزازهم بالانتماء لها ونظرا لحيوية هذه الغاية فقد ربطت القوى الغربية في القرن التاسع عشر التطور والتفوق الرياضي بمجرى تفوق النظام الرأسمالي الغربي ليصبح المتفوق في الرياضة هو المتفوق في الاقتصاد وفي السياسة وفي الحضارة والمنتصر في الرياضة هو المنتصر في الحرب حتى أن هتلر قال ذات يوم أن ملايين الناس المدربين على الرياضة والشغوفين بحب الوطن والمتشبعين بالروح الهجومية هم من يمكن أن يتحولوا في رمشة عين الى جيش للدفاع والعمران.
الخيبة في المونديال وفي الرياضة هي نفس الخيبة التي يعاني منها العرب في السياسة والاقتصاد والإدارة وفي أغلب المجالات وهذه الخيبة هي ناجمة عن غياب الرؤية للمستقبل فالفشل العام الذي يصيب دواليب الحياة العربية لم يكن على كرة القدم فقط بل كان على كل شيء وملامحه ماثلة في كل الاتجاهات وإذا كنا كعرب غير قادرين على منافسة العالم بأقدامنا فكيف سننافسهم بعقولنا؟

كاتب يمني