صحون «أولاد العز»..

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٦/يونيو/٢٠١٨ ٠٣:٤٧ ص
صحون «أولاد العز»..

د. لميس ضيف

لنُثبت للناس بأننا «راقون»، و«أولاد عز»، وعيننا «مليانة» علينا أن نُرسل إشارات معيّنة للناس في التجمّعات العامة. أولها ألا نُبدي شراهة في الأكل. وإن طلبنا عصيرا فعلينا ألا نُنهيه بالكامل بل من الممدوح ترك رشفات في قعره. وعلينا أن نترفّع عن حمل ما تبقّى من الأكل في الصحون. وإن فعلنا فعلينا أن ندّعي بأنه للخدم لا لنأكله نحن في اليوم التالي!

في العزائم والولائم العامة، يجب أن نضرب ما يحتاجه ضيوفنا في 5 أو 10 لنكون من أهل كرم، فنقدِّم لضيفين ما يُطعم عشرة، فالمائدة يجب أن تفيض بما فيها وينتقص من المضيف ما هو دون ذلك.

تلك هي «بعض» عاداتنا المقيتة، التي لا نعرف مَن شرعها ولكننا نطبّقها رغم ذلك. لا أذكر كم مرة رمقني فيها زوجي شذرا وأنا أطلب من النادل تعبئة ما بقى من الطعام. «ما يسوى» يقولها لي محرجا سيما إن كان معنا ضيوف، وفي كل مرة أرد عليه الرد ذاته «أحسن من أن يُرمى»، بل إني أحيانا ما ألتقط ذبذبات رفض حتى من موظفي المطاعم أنفسهم سيما الفارهة منها.
أدين لتحرري من هذه العقدة للثقافة الغربية التي تحتقر -على العكس- مَن يرمي فائض أكله. ذات مرة، استقبلنا وفدا سياسيا رفيعا من الولايات المتحدة واستضفناه كممثلين لجمعية الصحفيين في فندق الشيراتون. بعد أن فرغ كل منهم من وجبته طلب تعبئة ما تبقى ولم يكن في بعض الصحون إلا بعض الخضروات التي تُستخدم لتزيين الأطباق! تعجبنا مما فعلوه رغم أنهم يملكون خيار طلب قائمة الطعام بأسرها في غرفهم على نفقة المضيف. ولكن الطبع غلب التطبع والناس هناك تحترم النعمة أكثر مما نحترمها نحن للأسف في عالم يموت فيه 15 ألف إنسان -يوميا- من الجوع والفقر. ويصارع فيه 153 مليون طفل من أجل البقاء.
قبل أيام لفتني خبر من السعودية يقول إن مجلس الشورى يحاول سن قانون لمنع «الهياط» والاستهلاك الجائر للغذاء والعبث بفوائض الطعام، عبر وضع عقوبات رادعة لممارسات المفاخرة في الولائم التي تنتهي في حاويات النفايات.
ويشرع المشروع، المكوّن من 13 مادة، تغريم كل فرد أو أسرة تركت فائضاً من الطعام في الأطباق في أي من أماكن الطعام بنسبة 20 % من قيمة الفاتورة المدفوعة. وتغريم كل جهة تقيم حفلا رسميا أو خاصا 15 % من فاتورة الطعام إن خلّفت فوائض كثيرة. ويُعفى من الغرامات من رتّب سلفا لتوزيع الفائض.
وإن كنتم تتساءلون عن آلية «رصد» المخالفين. فالمجلس يقترح الاستعانة بالجمعيات والمتطوعين ومراقبي البلديات وعمال النظافة للإبلاغ عن حالات المخالفات. مع تخصيص مكافآت رمزية لمن يبلّغ عن ذلك.
لا أعرف إن كان هذا المشروع سيرى النور حقا ولكني آمل أن تهتم الدول بإعادة هيكلة ثقافة مجتمعاتها بكل الوسائل -وأشدد- بكل الوسائل. فالنعمة زواله وقد يأتي يوم نبكي فيه على ما فرّطنا فيه من لقمات يتمنّاها غيرنا ليبقى على قيد الحياة فيما نرمي -نحن- أغلاها في القمامة لسبب لا نستطيع تبريره حتى لأنفسنا.

lameesdhaif@gmail.com