
علي بن راشد المطاعني
هناك أمثال تصف بعض الأمور بشكل دقيق بعضها ناقد للواقع بسخرية ومنها المثل القائل (عندك تأكل قال لا، قال عندك تغرم قال نعم)، هذا ما ينطبق على خطوة وزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه إزاء إنشاء ساحة استعراض للسيارات بولاية عبري بمحافظة الظاهرة في إطار مشروع ربما يشمل بعض المحافظات الأخرى بإنشاء ساحات خاصة لممارسي هواية الاستعراض بالسيارات وتوفير الخدمات والمتطلبات اللازمة لها.
يحدث ذلك في خضم الأزمة المالية التي تمر بها البلاد والحكومة بطبيعة الحال مما يستوجب كفرض عين خفض الإنفاق وترشيد الاستهلاك لاسيما وإن الإيرادات مابرحت تعتمد بشكل كبير على النفط، ونعلم أن أسعاره في السوق العالمية تشهد تذبذبا منذ فترة طويلة ولم يستقر حتى الآن على سعر ثابت طوال العام ليتسنى للحكومات في كل الدول المصدرة للنفط بناء موازناتها السنوية على ذلك السعر الثابت.
وفي ظل هذه الحقائق الساطعة لا نعرف في الواقع ما هو المنطق الذي يمكن ومن خلاله تبرير هذه الخطوة لاسيما وأن المشروع ليس من المشروعات الخدمية أو الحيوية، ونعرف جميعا أن هناك مشروعات أكثر أهمية تم تأجيلها بدواعي عدم وجود موارد مالية أو اعتمادات للصرف عليها وهي أكثر أهمية من هذا المشروع .
نخلص من ذلك إلى إنه ليس من الحكمة المضي قدما في مشاريع كهذه، والتي يمكن وصفها في إطار التبذير المنهي عنه في القرآن الكريم وفي الآية 26 من سورة الإسراء، حيث يقول رب العزة: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا}، كما أن المشروع قد يضفي شرعية على عشاق الفوضى والمستعرضين بالسيارات لكي ينشروا عقيدتهم تلك في شوارعنا الآمنة افتراضا وواقعا، بعد أن وجدوا التشجيع والمؤازرة من خلال هذا المشروع. صحيح أن المشروع قد يحصر هذه الهواية المهلكة في تلك الساحات، ولكن الاعتراف بشرعيتها قد يوجد المزيد من السائقين المتهورين الذين سينشرون الموت في الطرقات، فالتربية السلوكية للشباب كان من المفترض أن تفرض حقيقة السعي الحاسم والأكيد للقضاء على تلك الظاهرة واجتثاثها من الجذور، وتعليم أطفالنا وشبابنا الانضباط في كل منحى من مناحي الحياة، فنحن نعد شبابنا لتحمل مسؤولية بناء الوطن وليس تعليمهم مبادئ النيل من الوطن.
ليكن واضحا بأننا وإذا كنا نحارب ظاهرة (التفحيط) في الشوارع والتي انتشرت في الكثير من الولايات ونعرف تماما نتائجها الوخيمة على الأمن الاجتماعي فإن مثل هذه المشاريع ستغدو بمثابة ساحات للتدريب لإجادة التفحيط، وكمعاهد لتخريج المزيد من المفحطين، كأن هذا الشيء هو الوحيد الذي ينقصنا لنعانق آفاق التقدم والحضارة!
بالطبع الحجة التي يبرر بها البعض لإنشاء حلبات السيارات هو امتصاص طيش الشباب وتقنين التفحيط في الشوارع وتفريغ طاقات المهوسين بمثل هذه الهوايات إلى غير ذلك من مبررات لا يمكن قبولها ما بقي هناك قانون ينهى ويردع.
نأمل من الجهات المختصة بهذه المشروعات أن تراجع نفسها وأن لا تفتح الباب أبدا لمثل هذه الهوايات والممارسات الخطرة على الفرد والمجتمع.