
بقلم سمعان كرم
تمتاز الليالي الرمضانية التي تبدأ بعد الصلوات والفروض، بجوٍ من الألفة والود والمحبة والتقارب والعطاء والتسلية. ينضم البعض إلى رفاقه في إحدى الخيام الخاصة أو العامة حيث تقام تحديات لعب الورق أو مشاهدة مسلسلات الشاشة الصغيرة أو الانفراد على جهة في حديث خاص، والبعض الآخر ينظم دورات رمضانية في لعبة كرة القدم المصغرة أو التنس الأرضي، حيث تخف حركة اللاعبين المعتادة من ثقل عشاء الإفطار، ومنهم من يكتفي بالمشي قرب الشواطئ أو في حي الوزارات، حيث تتوافر مواقف للسيارات والأرصفة للناس بين أبنية خالية من المراجعين. ومن الأنشطة الفكرية تقام المحاضرات واللقاءات في الأندية وأماكن متعددة.
حضرت هذا الموسم أمسية في مقر غرفة تجارة وصناعة عُمان وهي من الأمسيات التي أنشأها الرئيس الأسبق للغرفة وتابع ممارستها الرئيس السابق وحافظ عليها الرئيس الحالي، أمسية استضافت المجموعة العُمانية للطيران (Oman Aviation Group) وكم كانت فرحتي كبيرة لسماع هؤلاء الشباب العُمانيين يأتون بأسلوب جديد لم نعهده في كثير من المجالس والاجتماعات، في جوٍ وديٍ صريحٍ وبعيد عن الرسميات. حضر الرئيس التنفيذي للمجموعة وإلى جانبه الرئيس التنفيذي لمطارات عُمان وغاب الرئيس التنفيذي للطيران العُماني؛ لأسباب تتعلق بمتطلبات العمل.
إن الحماس والثقة بالنفس والشغف وحرارة الكلمات وصدقها ملأت القاعة الممتلئة أصلاً بالمستمعين. وذلك الحماس وتلك النخوة تذكراننا بتحرك الشباب عند محن الأعاصير أو عند انتصارات الفريق الأحمر. تكلما وكأن مجموعة الطيران ملكهما وهما المسؤولان عن نجاحها واستدامتها ونموها. تكلما بفخر وكأنها قضية وطنية بامتياز. هذا من ناحية الدافع الداخلي. أما عن المحتوى فقد ابتعدا عن الوصف الإنشائي والعبارات الطنانة والرنانة واكتفيا بلغة الأرقام ومؤشرات الأداء المحددة. ليت كل المتكلمين عن الاقتصاد يعتمدون لغة الأرقام التي هي أصلاً تشرح نفسها بنفسها. وعندما وصفا الوضع الحالي أعجبتنا الشفافية التي امتاز بها عرضهما. اعترفا بالواقع كما هو من ناحية الأداء والمواقع المالية وحسابات الأرباح والخسائر والتحديات التي تواجه القطاع. كان ظاهراً أن هذا الفريق متطلع ومنسجم ومدرك للمعطيات والمسؤوليات. نتيجة للتحليل العلمي لهذا الواقع، وضُعت استراتيجيات جديدة واتخذت قرارات جريئة أعادت هيكلة العمل من خلال خمس شركات تابعة للمجموعة وتعمل تحت مظلتها تلبية لمتطلبات الخطط الموضوعة. لكن لم يكتفيا بالتحسر على الماضي بل أفرحانا بالإنجازات التي تحققت منذ بدء العام الجاري من ناحية المؤشرات الإيجابية. فقد زادت المداخيل وانخفضت المصاريف عامة ما عدا ما يتعلق بكلفة الوقود التي ارتفعت مع ارتفاع أسعار النفط الخام. ابتدأت المجموعة والمسؤولون فيها بالخروج من الوطن حيث كنا ننتظر الفرص وراحت تسعى إليها إما في الصين لزيادة الخطوط إليها أو في الهند وخصوصاً إفريقيا. إذ تطمح المجموعة أن يصبح مطار مسقط الجهة المفضلة لربط آسيا مع إفريقيا إما بأعداد المسافرين أو أطنان الشحن. وهذه رؤية مبتكرة جديدة وخارجة عن التقليد. كنا نستمع إلى شبابٍ لهم شغف ومعرفة وقدرة متفاهمين منسجمين، لهم هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي للمجموعة ونقلها إلى الربحية بعيداً عن الدعم وذلك بحلول العام 2024.
إن الفريق الذي تمكّن من نقل عمليات المطار من المبنى القديم إلى المبنى الجديد في ليلة واحدة وفي الوقت الذي حدد له، ومن تحقيق النجاح الباهر الذي عرفناه يومذاك بالرغم من بعض الشوائب التي تعالج تدريجياً، هذا الفريق يمكنه أيضاً، إنْ حافظ على التماسك والتركيز والعمل الدؤوب والإخلاص، أن يعطي باقي القطاعات أمثولة في النجاح الذي يغيب عن الكثير من مساعينا.
أربعة عشر مليون مسافرٍ، مئة وعشرون ألف طائرة قادمة وذاهبة، خمس مئة ألف طائرة عبرت أجواءنا، مئتا ألف طن من الشحن الجوي، كلها أرقام لا يُستهان بها ولا بالمهمات الصعبة التي تولّدها. في غمرة هذا العرس من البنية الأساسية ورّدته منشآت المطار في مسقط وزهوره باقي المطارات العُمانية، مع ازدياد عدد الطائرات التي اشتريناها والتي تصلنا تباعاً، وفي هذه الأجواء من الطموحات والآمال، كلنا ثقة بأن مجموعة شبابنا هذه إن تماسكت وتناغمت وركزت على تنفيذ الخطط ومتابعة مؤشرات الأداء ضمن المهل الموضوعة، إن خرجت توقع العقود وتجذب الشركات وتحسن الخدمات وتقلص المصاريف، إن ثابرت على تدريب وتأهيل وتوظيف القوى العاملة الوطنية، إن حافظت على نخوتها التي تحرمها النوم إن بقت طائرة قابعة على الأرض، أو حقيبة ضائعة أو مقعد خالٍ على متن إحدى طائراتها، إن فعلت كل ذلك فهي قادرة أن تقلع بالمجموعة إلى أعلى الفضاء بعون الله.
لا بأس بتشجيع النجاح والاعتراف بالناجحين. هذا تصرف من قلب طبيعة الإنسان منذ أن كان طفلاً. ونحن اليوم نصفق لفريقنا هذا ونشجعه.
أخبركم بأن هؤلاء الرؤساء التنفيذيين لم يعدوني بأية تذكرة مجانية للسفر على متن طائراتهم إذا كتبت عنهم هذا الإطراء بل هذه الحقيقة.