برتراند بادرا، شارلوت بيتري جورنتزكا
وافقت حكومات من مختلف أنحاء العالَم على زيادة رأسمال مجموعة البنك الدولي بمقدار 13 بليون دولار أميركي، في إشارة واضحة إلى أن التعددية لا تزال نشطة ونابضة بالحياة. وسيساعد التمويل الإضافي في تعزيز قدرة مجموعة البنك الدولي على دعم مشاريع التنمية في مختلف أنحاء العالَم. لكنه يثير أيضا تساؤلات حساسة حول أفضل السبل لنشر الأموال الجديدة وجمع رأس المال العام في المستقبل.
الواقع أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 التي أقرتها الأمم المتحدة، فضلا عن هدف مجموعة البنك الدولي المتمثل في زيادة تمويل التنمية «من بلايين إلى تريليونات الدولارات»، يتطلب تعظيم إمكانات الزيادة الأخيرة لرأس المال. ويتطلب هذا بدوره تشييد بنية جديدة لتمويل التنمية، حتى يتسنى تقديم الحوافز لعدد كبير من الجهات التي تعمل بموارد محدودة لتحسين الأداء، وملاحقة العمل المشترك، وتجنب ازدواج الجهود.
وسيعمل الإطار الجديد على إجبار كل أصحاب المصلحة بما في ذلك مجموعة البنك الدولي، وبنوك التنمية الإقليمية، والهيئات الثنائية، وبنك الاستثمار الأوروبي، وغير ذلك من المؤسسات على إعادة النظر في دورهم في النظام الأكبر. ونحن نعلم من تجارب الماضي أن استخدام رؤوس الأموال العامة والخاصة في تمويل التنمية قد يصبح أكثر تفتتا بفِعل تعزيز قوة مجموعة البنك الدولي. ولتجنب هذه النتيجة، نحتاج إلى نظام قادر على تحفيز أطراف متنوعة على العمل معا بشفافية.
وينبغي أن ينصب التركيز الأساسي على تعزيز نهج تحويل «البلايين إلى تريليونات»، الذي يركز على تعبئة رأس المال الخاص وضمان أفضل استخدام ممكن لرأسمال القطاع العام. وعلى هذا، لا يجب السماح للزيادة في المال العام بردع مساهمات القطاع الخاص من خلال المنافسة المستترة أو تأثير «المزاحمة». وسوف يتطلب التعامل مع هذه المخاوف تقسيم العمل على نحو أكثر وضوحا عندما يتعلق الأمر بتوزيع المخاطر والمسؤوليات.
علاوة على ذلك، حان الوقت لإعادة النظر في مساعدات التنمية الرسمية (المعونة المقدمة من الحكومات)، والتي تظل بالغة الأهمية لتخفيف الفقر، وحماية الكرامة الإنسانية، وتمويل الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها الناس في الأماكن التي لا تتوفر فيها موارد مالية أخرى. وبسبب الاستثمار المحدود في أهداف التنمية المستدامة، يجب نشر مساعدات التنمية الرسمية على النحو الذي يجتذب المزيد من التمويل، أو يوجه الموارد القائمة من خلال آليات التمويل المختلط (بين القطاعين العام والخاص). وباعتبارهم مساهمي الأغلبية في نظام بنوك التنمية المتعددة الأطراف، يستطيع أكبر المساهمين في مساعدات التنمية الرسمية أن يضطلعوا بدور أساسي في الموائمة بين الحوافز في القطاعين العام والخاص. ومن خلال هذا التقارب، يصبح بوسعهم توجيه المجتمع الدولي نحو نظام يقوم على الأهداف المشتركة والمسؤولية الجماعية. توفر زيادة رأسمال مجموعة البنك الدولي الطمأنينة في لحظة حرجة بالنسبة للتعددية. ولكن لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ذريعة لوقف الإبداع، أو سلوك الطريق السهل المتمثل في الاعتماد بشكل كامل على رأس المال العام، مع تجنب المهمة الصعبة المتمثلة في ملاحقة نهج التمويل المختلط. وبدلا من ذلك، يتعين علينا أن نغتنم الفرصة لمعالجة مصادر الهشاشة، والصراع، والعنف في مختلف أنحاء العالَم، وبناء بيئة مشجعة للمزيد من استثمارات القطاع الخاص. ولن يتسنى لنا دفع أجندة أهداف التنمية المستدامة إلى الأمام إلا من خلال الحفاظ على الزخم الحالي.
حتى الآن، كانت آليات التمويل المختلط لتعبئة رأس المال الخاص تستخدم غالبا في الدول المتوسطة الدخل المستقرة نسبيا. ووفقا لدراسة حديثة قامت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، استُخدِم ما يقرب من 43 % من التمويل الخاص الذي جمعته مثل هذه الآليات في الفترة من 2012 إلى 2015 في الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، في حين جرى توظيف 7 % فقط في الدول الأقل نموا.
من الأهمية بمكان أن نتوسع في استخدام التمويل المختلط في الدول الهشة وذات الدخل المنخفض. وسوف تحتاج أذرع القطاع الخاص في بنوك التنمية إلى بذل المزيد من الجهد لاستهداف نفقات رأس المال على نحو من شأنه أن يعمل على تخفيف المخاطر واجتذاب رؤوس الأموال من القطاع الخاص، بدلا من مزاحمتها عن غير قصد. بدأ العالم تنفيذ أجندة أهداف التنمية المستدامة قبل بضع سنوات فقط. ولكن من الواضح بالفعل أن تحقيق هذه الأجندة يتطلب تقديم حوافز جديدة للقطاعين العام والخاص لتوجيه الاستثمارات نحو أولئك المعرضين لخطر التخلف عن الركب. وهذا يعني خلق نظام حيث يجري استهداف الأموال العامة بشكل ثابت في المناطق المناسبة، ولتحقيق الأغراض الصحيحة.
في وقت يتسم بالتحريض الشعبوي ضد المؤسسات المتعددة الأطراف، تُعَد زيادة رأسمال مجموعة البنك الدولي إنجازا بارزا في حد ذاته. لكن البيئة السياسية الحالية تزيد من أهمية إدارة المرحلة التالية من تمويل التنمية على الوجه الصحيح. ويتعين علينا أن نظل على تركيزنا على بناء وصيانة بنية متماسكة لتلبية أهداف التنمية المستدامة، وغير ذلك من الالتزامات الدولية، كتلك الواردة في اتفاقية باريس للمناخ.
لن يحدث التغيير من تلقاء ذاته. وعلى هذا فبدلا من الوقوع تحت رحمة التدفقات المالية العالمية، يتعين علينا أن نعمل على تسخير التمويل كأداة لتحقيق أهدافنا. وسوف يتطلب القيام بهذا التزاما حقيقيا طويل الأمد من جانب «المساهمين»، والضغط من جانب المواطنين المهتمين في مختلف أنحاء العالَم.
برتراند بادرا الرئيس التنفيذي ومؤسِّس Blue like an Orange Sustainable Capital، والرئيس المشارك لمجلس المستقبل العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي لشؤون الحوكمة الدولية.
شارلوت بيتري جورنتزكا رئيس لجنة مساعدات التنمية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والرئيس المشارك لمجلس المستقبل العالمي التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي لشؤون الحوكمة الدولية.