
سخرت من نفسي، ومن تأثرها البالغ، وأنا أراقب مشهد اللقاء التاريخي بين زعيمي الكوريتين.. كانا يتصافحان بحميمية ويتبادلان الابتسام بود في المنطقة منزوعة السلاح بين البلدين فيما كنت أقاوم، في صالة بيتي، رغبة في البكاء تأثراً بهذا الحدث التاريخي الذي لا يمسني من قريب ولا من بعيد، ووجدتني أتنقل بين القنوات ووكالات الأنباء، وأفند التحليلات وأنشغل بتقفي ردود الفعل العالمية باهتمام مبالغ فيه، ولولا الملامة لوضعت صورة كيم جونغ ومون جيه كخلفية لشاشة جوالي لتذكرني بهذه اللحظة.. كل لحظة. فكإنسانة في كوكب تستنزفه الصراعات الرعناء التي يحركها الجشع والكبرياء والتنمر على الضعفاء، سعدت، ككل الكوريين، بما سيقطع الطريق على المؤامرة الأمريكية الأخيرة لإشعال فتيل الصراع بين الدولتين «لاستحلاب» الجزء الكوري الحليف و«استنزاف» الجزء الخصم.
فالولايات المتحدة تحولت اليوم «لفتوة» رسمياً. وهي لمن لا يعرف المصطلح مهنة في الأحياء الشعبية في مصر، يتقاضى رجل قوي البنية تحت رايتها المال إما ليدافع عن أناس، أو ليكفي شره عن ناس أو ليُهجم على ناس. وقد استشعرت الكوريتان الجوع الأمريكي المتنامي للمال بقيادة التاجر المضارب ترامب. فقطعت الطريق بتقارب أنهى عقوداً من الصراع.
علماً أن الكوريتين كانتا كياناً واحداً حتى تقاسمته الولايات المتحدة وروسيا بناء على خط العرض 38. وشجعت القوى الاستعمارية كوريا الشمالية على المطالبة بوحدة أراضيها فغزت كوريا الجنوبية وهو ما رأته الولايات المتحدة «كفرصة لدحر الشيوعية» وضرب روسيا في واحدة من قواطر حروب الوكالة بينهما. وكادت أمريكا أن تحقق أمنيتها لولا تدخل الصين في لحظة حاسمة في الحرب لصالح كوريا الشمالية ما أحبط أحلام أمريكا ومن يدورون في فلكها من دول الغرب. وانتهى الأمر بهدنة في 1953 دون اتفاق سلام بين الكوريتين.. وبـ5 ملايين قتيل من الكوريتين، وبسباق تسلح محموم.
تجربة الصلح الكوري درس للمتنازعين حول العالم. فرغم ندوب الحروب وجراح العداء الممتد وتضارب المصالح فإن المصلحة المرجوة من النزاع -أياً كانت- قزمة في حضرة المصلحة من التقارب والسلم. وكلفة الصراع، على الدول القوية والأقل قوة، أكبر من أي نفع مرجو منها. لا مستفيد من الصراعات إلا مهندسو الكوارث والفتوات والمتاجرون بدماء الأمم. ولا خاسر فيها أكبر من الشعوب، التي تدهس كالعشب كلما تصارع الفيلة على حد وصف طاغور.