الاحتياطي الفيدرالي مع ترامب

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٨/مايو/٢٠١٨ ٠٤:٣٩ ص

كينيث روجوف

في ظل رئاسة أظهرت أقل قدر من الاحترام للمعايير المؤسسية التقليدية، كيف لنا أن نفسر تعيينات دونالد ترامب المعقولة تماماً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؟ الواقع أن أحدث الترشيحات، ريتشارد كلاريدا الأستاذ في جامعة كولومبيا وميشيل بومان مفوضة البنك عن ولاية كانساس، تشكل استمراراً لنمط يتسم باختيار تكنوقراطيين مخضرمين، بدءاً برئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الجديد جيروم باول.

إذا كان ترامب رئيساً طبيعياً، فإن تعيين أفراد يتمتعون بقدر كبير من الاحترام وقادرين على ضمان عملية صنع السياسات الفعّالة كان ليعد عملاً غير خارج على المألوف. لكننا هنا إزاء رئيس كان في أغلب الأحيان يختار مسؤولين يتمتعون بخبرة حكومية ضئيلة، ثم يكلفهم كما يبدو بإحداث أكبر قدر ممكن من الخلل والارتباك في الإدارات التي اختيروا لإدارتها. ولكن في حالة بنك الاحتياطي الفيدرالي، رشح ترامب (مؤلف كتاب «فن الصفقة») شخصية أكاديمية (كلاريدا) والذي يحمل أشهر أبحاثه عنوان «علم السياسة النقدية»، لمنصب نائب الرئيس.

حسنا، قد يقول قائل إن الإشادة بترامب لحفاظه على استقرار بنك الاحتياطي الفيدرالي أشبه بمنحه درجات عالية لأنه لم يشعل حرباً نووية. اكتسبت فكرة استقلال البنك المركزي قدرا هائلا من الثِقَل على مدار السنوات الثلاثين الفائتة بين الساسة في مختلف أنحاء العالَم. وهذا المعيار ليس سائداً في الديمقراطيات مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان فحسب، بل حتى القادة الذي يطلق عليهم وصف الرجال الأقوياء، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، يتوقفون طويلا ويعملون الفِكر قبل أن يُقبِلوا على تحدي بنوكهم المركزية.
لكن الناس ينسون مدى حداثة فكرة استقلال البنوك المركزية. فقد اكتسب بنك إنجلترا المهيب الاستقلال النقدي قبل عشرين عاماً فقط. في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، عندما كتبت بحثا أكاديميا أوردت فيه الحجة لصالح الاستقلال كأداة لترسيخ مصداقية البنوك المركزية في مكافحة التضخم، رفضت الجريدة تلو الأخرى الفكرة. وقد سخر أولئك الحكام من فكرة أن يكون الاستقلال أكثر من مجرد واجهة بلا معنى يمكن اختراقها بسهولة من قِبَل الحكومة.
وهو ما يعيدنا إلى ترامب. تُرى هل كل ما في الأمر أنه يتوقف طويلا ويفكر بعمق قبل أن يضغط على بنك الاحتياطي الفيدرالي لحمله على إحماء الاقتصاد قبل انتخابات 2020، وفي نهاية المطاف تحويل العجز الهائل الذي تحدثه تخفيضات الجمهوريين الضريبية إلى نقد؟ إذا كانت هذه هي الخطة ــ ومن ذا الذي يعتقد حقا أن ترامب المحاصر لن يلجأ إلى التضخم المرتفع؟ ــ فإن النبأ الطيب هو أن تعيينات بنك الاحتياطي الفيدرالي لن تجعل حياة ترامب سهلة.
ويبدو أن ترمب يدرك هذا. ففي أثناء حملته الانتخابية في العام 2016، احتج شخصيا على جانيت يلين التي سبقت باول في المنصب، لأنها أبقت على أسعار الفائدة منخفضة عمدا لتسهيل انتخاب هيلاري كلينتون. والآن بعد أن أصبح رئيسا، فإن هذا على وجه التحديد ما يود لو يراه في عام 2020. والمفترض أنه في مقابلته للمرشحين لخلافة جانيت يلين العام المنصرم، وجه إليهم سؤالا واحدا: «أنت لن ترفع أسعار الفائدة وتخرب سوق البورصة الجميلة، أليس كذلك؟
صحيح أن ترمب مقيد بعض الشيء بفعل احتياجه إلى الفوز بموافقة مجلس الشيوخ على مرشحيه. والواقع أن بعض الجمهوريين المحافظين اعترضوا على واحد آخر من ترشيحاته، وهو مارفين جودفريند من جامعة كارنيجي ميلون، لأنه تجرأ على التقدم باقتراح مفاده أن بنك الاحتياطي الفيدرالي ربما يحتاج إلى نهج جديد في التعامل مع السياسة النقدية (أسعار الفائدة السلبية) لمواجهة الركود العميق التالي أو الأزمة المالية المقبلة. ورغم أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يتبنى هذه النصيحة ذات يوم على نحو شبه مؤكد (نشرت أيضا حول هذه المسألة)، فإن ترشيح جودفريند لم يتمكن من اجتياز اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ إلا بالكاد. ولكن في عموم الأمر، أعطى مجلس الشيوخ ترامب ما يريد، وكان العديد من الجمهوريين ليتبنوا ترشيح شخص مزعج ــ على سبيل المثال، رون بول ــ أو محافظ آخر يدعو إلى العودة إلى معيار الذهب الذي كان معمولا به في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى.
من المؤسف أن المعركة من أجل استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي لم تنته بعد. فربما يكون ترامب حريصاً فقط على الإبقاء على ذخيرته جاهزة إلى أن يندلع صراع حقيقي. في الوقت الحالي، تُعَد زيادات أسعار الفائدة التي يخطط لها بنك الاحتياطي الفيدرالي وقائية إلى حد كبير. فالتضخم لا يرتفع إلا ببطء شديد، حتى برغم أن الاقتصاد يبدو مفرط النشاط. لكن لحظة الحساب قد تأتي. وعلى افتراض أن ترامب ظل يتمتع بصحة جيدة وتجنب إجراءات الاتهام والعزل أمام الكونجرس، وخاض حملة إعادة انتخابه، فإن آخر ما يريده في الفترة 2019-2020 هو أسعار فائدة مرتفعة بشكل حاد، وارتفاع معدل الباحثين عن عمل في وقت غير مناسب، وانهيار محتمل في أسعار سوق البورصة التي يعتبرها «جميلة».
في حال اندلاع أزمة، ربما يتبين أن استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي أكثر هشاشة مما قد يتصور أغلب الناس. فهو ليس مقدسا في الدستور الأمريكي، كما يتحكم الرئيس والكونجرس في العديد من أدوات السيطرة. أنشئ بنك الاحتياطي الفيدرالي بموجب قانون في الكونجرس في العام 1913، ومن حيث المبدأ يستطيع الكونجرس تعديله أو إصلاحه، ولنقل من خلال إقرار زيادة كبيرة في الإشراف من قِبَل الكونجرس، أو عن طريق تجويعه بحجب التمويل. والواقع أن مشاريع قوانين كانت تطرح من حين إلى آخر في الكونجرس، وكانت لتفعل هذا على وجه التحديد.
في الوقت الراهن، نال المعينون في بنك الاحتياطي الفيدرالي معاملة الجنرالات في عالَم ترامب. وفي ظل العجز المتضخم واقتراب حملة الانتخابات الرئاسية في العام 2020، تنتظرنا أوقات عصيبة. ولكن الآن، ينبغي لنا أن نعترف بأن رئاسة ترامب في هذه المنطقة على وجه التحديد كانت شبه طبيعية.

كبير خبراء الاقتصاد الأسبق لدى صندوق النقد الدولي، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد.