مي الحبشي
كانت رائدة الأعمال الفرنسية ذات الأصول المغربية، صفاء الجزولي، تعلم دائماً أنها تريد دعم النساء والفتيات في المغرب، لكنها أدركت فقط في إحدى رحلاتها أنها يمكنها المساهمة في حل أزمة التحرش الجنسي بالبلاد.
ولأنها سئمت من الذهاب دائماً إلى الأماكن نفسها وتوفر خيارات محدودة لها من المقاهي والمطاعم، قررت صفاء أن تنشئ تطبيقاً أطلقت عليه اسم «فين نمشيو» وهي عبارة باللهجة المغربية تعني «إلى أين أذهب» بهدف اقتراح الأماكن الآمنة للنساء. من خلال هذا التطبيق، يمكن للنساء مراجعة وتقييم الأماكن اعتماداً على مدى ملاءمتها للإناث لمساعدة النساء الأخريات في أن تقرر زيارة أو تجنب هذه الأماكن.
وأوضحت صفاء قائلةً: «في كل مرة زرت المغرب، عانيت في العثور على مقهى أو مطعم جيد للالتقاء بأصدقائي أو لمباشرة أعمالي به. اضطررت إما للذهاب إلى المكان نفسه؛ وهو ما أصابني بالملل بعد وقت قصير، وإما للبحث عن أماكن على الإنترنت تم تقييمها بواسطة رجال في الغالب؛ وهو ما لم يكشف لي عن تجارب النساء في هذا المكان».
ومن خلال الحصول على تقييماتهن ومشاركة تجاربهن، تأمل صفاء أن هذا سيشجع النساء في كسر حاجز الصمت تجاه التحرش وسوء المعاملة، بالإضافة إلى إنشاء منصة لهن لمشاركة تجاربهن.
في المغرب، تُعد المقاهي وغيرها من الأماكن العامة دائماً بمثابة أماكن خاصة بالذكور فقط، حيث لا يزال العديد منهم عدائيين تجاه النساء. وعادةً ما تعاني النساء اللاتي يحاولن زيارة هذه المقاهي من الاستنكار ونبذهن بالألقاب، وإساءة معاملتهن في بعض الحالات.
وأوضحت صفاء قائلةً: «يُعد التحرش الجنسي مشكلة اجتماعية شائعة في المغرب، كما هو الحال في العديد من الدول المتقدمة. أعتقد أن المغرب يحرز تقدماً في حل هذه المشكلة، خاصة أنه اعتمد مؤخراً قانوناً جديداً يجرم التحرش الجنسي. بالطبع هناك حاجة إلى فعل المزيد، لكن الجهود تسير في الاتجاه الصحيح».
ويتعاون تطبيق «فين نمشيو» مع الشركات والمؤسسات لتحسين استيعاب النساء بها. تعتقد صفاء أن هذه الخطوة ستساعد في تحقيق تغيير اجتماعي من خلال تشجيع أصحاب المقاهي والمطاعم على أن يهتموا بالترحيب بالنساء ومعاملتهن باحترام وتوفير بيئة آمنة لهن.وقد أثبت هذا النهج نجاحه حتى الآن.
وقالت صفاء: «منذ إطلاق التطبيق في بداية العام الجاري، تواصلت معنا العديد من المؤسسات لترى كيف يمكنها المشاركة في هذه المبادرة.
وأوضحت صفاء أن الهدف من تطبيق «فين نمشيو» ليس فصل الرجال عن النساء، ولكن مساعدة النساء في العثور على الأمان بالأماكن المشتركة.
سرعان ما بدأت النساء المغربيات أيضاً في استخدام التطبيق. وخلال الأسبوع الأول من إطلاق تطبيق «فين نمشيو»، قامت أكثر من 1000 مستخدمة بتنزيل التطبيق.
وأوضحت صفاء قائلةً: «أحبت النساء التطبيق بوضوح. تلقيت العديد من رسائل البريد الإلكتروني ليس فقط من نساء في المغرب، بل من نساء في إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة أيضًا لتهنئتي ودعمي. استجاب الرجال للتطبيق بشكل إيجابي أيضاً. ورغم أن البعض لم يستوعب لماذا تحتاج النساء إلى تطبيق مثل هذا، ساعدهم التطبيق في معرفة المزيد عن التحرش الجنسي، وهو ما كان أحد أهدافي أيضًا».
لكن لم تكن كل التقييمات إيجابية، إذ تلقى تطبيق «فين نمشيو» نصيبه من التقييمات السلبية. بعد كل شيء، فإن تحدي الأعراف الاجتماعية ليس بالأمر السهل.
ووفقًا لصفاء، جاءت معظم التعليقات السلبية من رجال محافظين لا يعتقدون أنه ينبغي للنساء الخروج من منازلهن والتردد على المقاهي والمطاعم.
وفي حين أن تغير السلوكيات قد يستغرق سنوات أو حتى عقودٍ، فإن تمكن النساء من استعادة إمكانية الذهاب إلى الأماكن العامة وجعلها مناسبة للعمل يبعث رسالة واضحة وهي: الزمن يتغير ولا شيء يبقى على حاله.
لكن تطبيق «فين نمشيو» لن يحل وحده مشكلة التحرش الجنسي في المغرب، إذ تعتقد صفاء أن المدارس والجمعيات والمؤسسات الدولية تحتاج إلى العمل معا لمكافحة التحرش الجنسي. وشددت أيضًا على ضرورة أن تلعب النساء دوراً فعالاً في النهوض بحقوقهن الخاصة.
وقالت صفاء: «تحتاج كل امرأة إلى المشاركة بفاعلية في إنهاء أزمة التحرش الجنسي، سواء كان ذلك من خلال تقييم المطاعم والمقاهي أو الإبلاغ عن حالات التحرش. الشيء الأهم هو ألا تظل صامتةً».
جدير بالذكر أن تطبيق «فين نمشيو» متاح الآن مجاناً على متجر جوجل بلاي، وسيكون متاحاً أيضاً لي متجر آبل قريباً.