
آنا بالاسيو
عندما انتُخِب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا العام الفائت، قُدِّم للناس على أنه مُخَلِّص أوروبا، الشاب العبقري الذي اقتحم المشهد السياسي الفرنسي في الوقت المناسب تماماً. والآن يتساءل كثيرون في مزيج من الشماتة والانهزامية ما إذا كان نجم ماكرون قد احترق أكثر مما ينبغي ــ وبات محكوما عليه بالتالي أن يواصل احتراقه السريع. بيد أن هذا التركيز على سجل ماكرون حتى الآن يهدد بحجب رسالته المهمة حول مستقبل الديمقراطية الأوروبية.لم يفز ماكرون برئاسة فرنسا من خلال إفراد رسائل قومية شعبوية مستترة، كما فعل مارك روت للتشبث بالسلطة في هولندا، بل عن طريق دعمه لبرنامج إيجابي ومتين ومؤيد لأوروبا. ومع دعواته الطموحة للوحدة الأوروبية ودعمه العنيد للديمقراطية الليبرالية، ألهم ماكرون الأمل في أن تكون موجة الشعبوية المناهضة لأوروبا بلغت ذروتها وبدأت تنحسر، وأن التقدم الحقيقي يلوح في الأفق.
في وقت فائت من هذا الشهر، سلم ماكرون ذات الرسالة أثناء مخاطبته للبرلمان الأوروبي في ستراسبورج، حيث أعلن أن «الديمقراطية الأوروبية هي أفضل الفرص المتاحة لنا»، ودعا إلى «سيادة أوروبية جديدة» تحمي مواطني الاتحاد الأوروبي وتزود عنهم. كما تناول بشكل مباشر قضية الرضا عن الذات: «لا أريد أن أنتمي إلى جيل من السائرين وهم نيام الذين نسوا ماضيهم. بل أريد أن أنتمي إلى جيل قرر الدفاع عن ديمقراطيته بقوة».
كانت الدعوة المثيرة التي أطلقها ماكرون للعمل النشط التطور الأحدث في هجوم دبلوماسي شمل الاجتماع بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والمناقشات الصريحة حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوجان. والآن يتواصل هذا الجهد، بالتقاء القيادي الطموح ماكرون مع المراوغ المتقلب المزاج دونالد ترامب في واشنطن هذا الأسبوع. في وقت فائت من هذا الشهر، أمر الزعيمان ــ ومعهما رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ــ بضرب منشآت عسكرية سورية، في أعقاب هجوم بالأسلحة الكيميائية على منطقة يسيطر عليها متمردون، وهو الهجوم الذي زُعِم أن القوات السورية نفذته.
يزعم بعض المراقبين أن خطاب ماكرون المحلق المؤيد لأوروبا، وشخصيته الدولية الضخمة، ليس أكثر من حلية لتعزيز شعبيته داخل فرنسا. خاصة وأن محاولاته لإصلاح الاقتصاد الفرنسي، والقطاع العام، وأسواق العمل ــ ناهيك عن ذرائعه النخبوية وميوله الإمبراطورية المتصورة ــ أفضت إلى ردود فعل سلبية سريعة وعنيفة.يكاد هذا يكون صحيحاً بكل تأكيد. ولكن ماذا في ذلك؟ فعملياً، يحاول كل الساسة الاستفادة من وضعهم الدولي لتعزيز مكانتهم في الداخل. وأيا كانت دوافعه فإن رسالة ماكرون سليمة.ولكن حتى أنصار ماكرون يفشلون في الدفاع عن هذه الرسالة بالقدر الكافي من القوة، ويحصرون أنفسهم بدلا من ذلك في مواجهة مع التحديات العملية المقبلة. هذا هو جمهور «صحيح، ولكن» الذي يقول: «صحيح أنه محق بشأن أوروبا، ولكن يتعين عليه أن يصلح الاقتصاد الفرنسي أولا، وإلا فلن يتسنى له تحقيق النجاح دون المزيد من الدعم الألماني».
الواقع أن هذه الانتقادات ليست بلا مبرر. فحتى يتسنى لفرنسا أن تصبح محرك التغيير في أوروبا، يتعين عليها أن تخضع لتحولات بنيوية عميقة، وهي تحولات بالغة الصعوبة كما تُظهِر الاحتجاجات الطلابية في معهد باريس للدراسات السياسية وإضرابات السكك الحديدية في مختلف أنحاء فرنسا. ولإصلاح الاتحاد الأوروبي، يحتاج ماكرون إلى دعم ألمانيا، وهو ما قد لا يكون في الأفق القريب، نظرا للتحول الواضح من قِبَل ائتلاف ميركل بعيدا عن تعميق التكامل الأوروبي.
مكمن الخطر هنا هو أننا من خلال ربط الرسالة بإحكام شديد بماكرون وإنجازاته، ربما نبخس قيمة الأفكار الأساسية. فربما لا تلملم فرنسا شتات نفسها، وقد لا تقفز ميركل لإصلاح الاتحاد النقدي. لكن هذا لا يغير حقيقة مفادها أن أوروبا تحتاج إلى التطور. وفي المقام الأول من الأهمية، تحتاج إلى أفكار جديدة، وروح جديدة.في خطابه في ستراسبورج، وضع ماكرون أجندة قوية: فيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يقنع مواطنيه بأنه يستحق الدعم، من خلال الانخراط معهم بشكل مباشر وتقديم سرد مقنع يؤكد على التزام الاتحاد الثابت بالديمقراطية الليبرالية.
لكنه لا يستطيع أن يفعل هذا منفردا.وبدلاً من التفتيش عن الثغرات في أساليب ماكرون أو ظروفه، ينبغي للأوروبيين أن ينظروا إلى رسالته على أنها تعرض عليهم تحديا.
فكل من يؤمن بالاتحاد الأوروبي لابد أن يتقدم لتعزيزه وتقويته، ليس من خلال تقديم الأفكار فحسب، بل وأيضا بالقتال من أجل تحقيقها.
والزعامة مطلوبة على المستويات كافة.ربما يكون ماكرون عازفاً منفرداً موهوباً، ولكن ما تحتاج إليه أوروبا الآن هو الكورس. ومن المؤسف أن أصواتاً قليلة للغاية خلفت أي صدى.
وزيرة خارجية إسبانيا السابقة