
محمد محفوظ العارضي
رغم التطورات الهائلة التي يشهدها العالم العربي في هذه المرحلة، تبقى التطورات الاقتصادية هي الأهم والأكثر تأثيراً في مستقبل المنطقة، فالبنية السياسية والاجتماعية يشكلها الاقتصاد، وعلى قدر اتساع رؤية القائمين على تطويره يتسع الأمل للشعوب في مستقبل أكثر ازدهاراً وأمناً واستقراراً.
جاء هبوط أسعار النفط ليطرح السؤال الكبير على صنّاع القرار: ماذا بعد؟ وما هي المقومات الأخرى التي سنستند عليها للحفاظ على وجودنا ومكانتنا؟، والحقيقة أن هناك الكثير ما بعد النفط نستكمل به مسيرتنا. فطبيعة الموارد تغيرت، ومعادلة التفوق تغيرت أيضاً، وأصبحت الموارد البشرية والعلوم والمعرفة أهم بكثير من الموارد المالية التقليدية كالنفط أو الغاز. العديد من الدول حققت تقدماً كبيراً في مسيرتها بالاعتماد على هذه الموارد بالذات.
لقد استجابت غالبية دول المنطقة لهذا التحول الكبير في مضمون ووظيفة الاقتصاد، فجاءت استراتيجيات التغيير الاقتصادي شاملة لتواجه هذا التحول في وظيفة الاقتصاد ودوره، ولعل المثال الأوضح لهذه الاستجابة هي رؤية المملكة العربية السعودية 2030 الشاملة والمتكاملة التي جمعت بين التحول الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في وقت واحد.
رؤية 2030 حددت 12 برنامجاً كنواظم للعمل خلال السنوات المقبلة، وكان البرنامج الأول الذي تم الإعلان عنه ضمن رؤية 2030 هو برنامج التحول الوطني الذي يهدف إلى إحداث تطورات جوهرية على الواقع الاجتماعي والثقافي السعودي، وكان الإعلان عن هذا البرنامج، قبل البرامج الأخرى، بمثابة إشارة إلى أن الاقتصاد السليم يبنى على قاعدة اجتماعية قوية وتقوده الموارد البشرية المحلية المؤمنة بمهمتها ودورها في مسيرة تنمية أوطانها.
إلى جانب هذا البرنامج هناك برامج أخرى تشمل تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية وتهدف إلى تحويل المملكة إلى قوة صناعية رائدة ومركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية، وبرامج تشمل تعزيز مكونات الشخصية السعودية وأخرى للإسكان والتوازن المالي والخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص وغيرها، وبرامج أخرى مهمتها الارتقاء بجودة حياة المواطنين السعوديين والمقيمين، فجودة الحياة كما حددتها رؤية 2030 هي الغاية النهائية لرؤية المملكة وما يتفرع عنها من خطط واستراتيجيات.
خلال السنتين الفائتتين أعلنت المملكة العربية السعودية عن خطوات مهمة سيجري اتخاذها خلال المرحلة المقبلة، خطوات جريئة ستعيد صياغة ثقافة وتركيبة المجتمع السعودي واستعادة مساره الحضاري التطوري من هيمنة الأصولية كما قال ولي العهد السعودي في مقابلة مع وكالة بلومبرج، فحديث ولي العهد كان واضحاً في الإشارة إلى استعادة صورة المملكة التي كانت في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت.
إن التحول التاريخي الذي بدأت المملكة العربية السعودية اجتياز أولى محطاته يبرهن على أهمية دور القيادة في إنجاحه، فولي العهد محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، يمثل القيادة الشابة للرؤية الطموحة التي تستهدف مجتمعاً شاباً في معظمه وهو المجتمع السعودي، ويمثل رمزاً وعنواناً لهذه المرحلة من تاريخ المملكة، رمزاً يلهم الأجيال القادمة التي على عاتقها تقع مهمة استكمال المسيرة. إن جرأة ولي العهد المدعومة بالتزامه المصلحة العامة لشعبه، ضرورية لتجاوز المدرسة الاجتماعية والفكرية القديمة للمملكة، وضرورية لمحاربة الفساد وإجراء إصلاحات هيكلية في بنية الاقتصاد والمجتمع السعودي، وضرورية أيضاً لشق مسار سياسي دولي جديد تنسجم فيه السياسة مع الاقتصاد ويفضي إلى اندماج الاقتصاد السعودي بالاقتصاد الدولي.
تحت قيادة ولي العهد هناك مجموعة من الأطر والمؤسسات التي كُلفت بمهمة تحقيق رؤية 2030، على رأسها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية المسؤول عن استحداث وإطلاق برامج الرؤية الـ 12 وتأسيس لجنة قيادة مركزية لكل برنامج مهمتها وضع الخطط والاستراتيجيات وآليات الحوكمة والقياس، وهناك أيضاً مكاتب تحقيق الرؤية التي تشكلت في كل وزارة، وتعمل على مواءمة عمل الجهات الرسمية وسياساتها مع متطلبات الرؤية.
لقد أبدعت المملكة وقيادتها في استحداث الأطر المسؤولة بشكل مباشر عن تحقيق استراتيجيات الرؤية للعام 2030، وأثبتت أن الرؤى الاقتصادية والاجتماعية -ولكي تتحقق- تحتاج أولاً إلى قرارات جريئة وطموحة تستهدف التركيبة القيادية وتطويرها بما يتلاءم مع خطط المستقبل، القيادة تأتي أولاً وعلى قدر كفاءة هذه القيادة يتحدد مقدار النجاح.
وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين تركيبة المجتمع والاقتصاد السعودي وتركيبة المجتمع والاقتصاد العماني، إلا أن هناك نقاط كثيرة تلتقيان عندها مما يجعل من تجربة السعودية درساً مهماً لكافة دول المنطقة، إذ يتجلى هذا الدرس في النقاط الآتية:
أولاً: إن الخطط المستقبلية الطموحة للأمم لا بد أن يسبقها خطوات هيكلية إدارية تتعلق باستحداث الأطر القيادية وتعزيز صلاحياتها وتوفير الدعم اللازم والكفيل بإنجاح مساعيها.
ثانياً: لا يمكن للتحول إلا أن يكون شاملاً، فلا يجوز الفصل بين التحول الوطني والاقتصادي والاجتماعي، وسعي المملكة نحو اقتصاد جديد يعني بناء بنى اجتماعية بثقافة جديدة تتحرر من الاعتماد على الدولة في تلبية احتياجاتها كافة أو على مصدر دخل وحيد وهو النفط نحو الاعتماد على الطاقة الإنتاجية للمجتمع والتي تهدف برامج الرؤية كافة إلى تنميتها وتمكينها.
ثالثاً: ترافق الإعلان عن الخطط الاقتصادية مع تصورات واضحة لانعكاساتها على جودة حياة السعوديين، وهذا الأمر جلي في الإعلام السعودي وهو في غاية الأهمية من أجل تجنيد المواطنين خلف الرؤية وتحفيزهم على الشراكة فيها. لقد حددت الرؤية مستهدفات واضحة لمشاركة الموارد البشرية وخطط واضحة أيضاً لتمكينها من العلوم والمعارف الحديثة. إن رؤية 2030 الصناعية على وجه التحديد تركز على مخرجات الثورة الصناعية الرابعة التي تحتاج إلى كوادر بشرية محلية مؤهلة بالعلوم والتقنيات الحديثة.
رابعاً: تتزامن المرحلة الأولى من رؤية 2030 مع مساعي سعودية كبيرة للانفتاح على الاقتصاد العالمي ومع بناء الشراكات وتوقيع الاتفاقيات مع أهم المراكز الاقتصادية في العالم، كما تتسم المرحلة الأولى من مراحل الرؤية مع حملات إعلامية مكثفة تدعم التوجهات السعودية العامة وتبين مراحل تطبيق الرؤية والفرص التي تتيحها للقطاع الخاص الوطني وللمستثمر الأجنبي على حد سواء. إن قوة الاتصال الذي تمارسه برامج رؤية 2030 تعد شرطاً لنجاحها ودرساً هاماً لكافة دول المنطقة.
اليوم لا يمكن لأي قوة إقليمية أو دولية أن تحقق أهدافها بمعزل عن تأييد محلي ودولي لخطواتها، فهذا التأييد سيترجم في المستقبل القريب إلى شراكات واعدة بين الاقتصاد الوطني السعودي وأهم رواد الاقتصاد العالمي.
خامساً: إن النهضة الاقتصادية للمملكة العربية السعودية سيكون لها تأثير إيجابي كبير على اقتصادات المنطقة، وهذا يستوجب استحداث منصة للتنسيق الدائم بين القوى الاقتصادية الإقليمية، فنجاح مساعي دول المنطقة اقتصادياً لا يمكن أن يستمر وأن يحقق نتائج مستدامة إلا بتحقيق التكامل بين أسواقها وضبط الأنظمة والقوانين في كل بلد يما يتلاءم مع متطلبات التكامل بين هذه الأسواق، خاصةً فيما يتعلق بتبادل السلع والخدمات وتنقل رؤوس الأموال، والشراكة في المشاريع الاقتصادية الضخمة كالطاقة المتجددة وشبكات النقل البري والبحري والجوي.
عند الحديث عن مستقبل المنطقة يبرز الاقتصاد أولاً وثانياً وثالثاً فهو السيادة وهو القرار المستقل وهو شكل مستقبل شعوبنا وهو حق للمواطنين وواجب على الحكومات، وهو أساس العلاقات المتكافئة بين المنطقة وبقية دول العالم.
رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في انفستكورب