حلول «السل» المهملة

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٠١/أبريل/٢٠١٨ ٠٣:٥١ ص

جوان ليو وبول فارمر

إن من المخجل في عصر الابتكار التكنولوجي السريع أن يموت ما يقرب من مليوني شخص من مرض السل هذا العام بسبب أنهم فقراء للغاية ولا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج والواقع أن سبب استمرار مرض السل في التسبب في وفاة البشر هو بكل بساطه اللامبالاة.

تنبع هذه اللامبالاة من الوهم القاتل بأن السل هو مرض من الماضي - وهو الوهم الذي استمر حتى عندما أصيب 10.4 مليون شخص بالسل في العام 2016 حيث أن مرضى السل عاجزون عموماً عن مطالبة العالم بالاهتمام بهم، فعلى الرغم من أن المرض يمكن أن يصيب أي شخص، فإنه يصيب بشكل غير متناسب الفئات المهمشة والضعيفة في أماكن مثل مخيمات اللاجئين والأحياء الفقيرة والسجون.

يوجد وهم آخر وهو أن لدينا علاجات كثيرة لمكافحة السل حتى مع استمرارها في التحور ولكن يشكل السل المقاوم للأدوية المتعددة تهديدا خطيرا حيث يطلق عليه أحياناً اسم «الإيبولا بالأجنحة» وفي حين أن اثنين من مسببات الأمراض لديهما معدلات موت مشابهة، فإن السل المقاوم للأدوية المتعددة ينتقل عبر الهواء وينتشر بسهولة أكبر ويشمل العلاج الحالي لمرض السل المقاوم للأدوية المتعدّدة نظاماً من الأدوية السامة حيث بعضها يتطلب حقن يومية مؤلمة والتي يمكن أن تستمر لمدة تصل إلى سنتين.
ونادراً ما تطورت خيارات العلاج لمرض السل منذ عقود وفي حين أن أساليب البحث والتطوير لفيروس نقص المناعة البشرية /‏ الإيدز والتهاب الكبد الفيروسي ج تواصل تحقيق النتائج، فإن أساليب البحث والتطوير الخاص بالسل تتخلف كثيرا عن الركب.
ولكن هذه ليست القصة كلها ففي السنوات الأربع الأخيرة، كان ينبغي عمل ثوره في الرعاية المتعلقة بمرض السل فبعد مرور 50 عاما دون تطوير أي دواء جديد للسل، تمت الموافقة على اثنين من الأدوية و هما دواء البيداكويلين ودواء دلامانيد بشكل سريع حيث كان ينبغي أن تكون هذه اللحظة تاريخية في مكافحة مرض السل، خاصة للمرضى المقاومين للأدوية.
وكان يمكن للمرء أن يتوقع ائتلافاً واسعاً يضم السلطات الصحية ومقدمي الرعاية الصحية وهيئات وضع المعايير وشركات التأمين والمصنعين للإسراع في مساعدة المرضى الأكثر احتياجا لهذه الأدوية الجديدة ولكن لم تظهر مثل هذه الاستجابة.
وبدلاً من ذلك فقد بقيت تلك الأدوية يعلوها الغبار في المستودعات علما أنه منذ اعتمادها للاستخدام، استفاد منها 5 ٪ من المرضى المحتاجين. إن آخر الأرقام عن دواء دلامانيد، على وجه الخصوص، هي أرقام مروعة حيث أنه بعد أربع سنوات، تم علاج 1,247 مريض فقط في جميع أنحاء العالم باستخدام ذلك الدواء.
نحن على دراية بتلك الحقائق لأن العديد من هؤلاء المرضى تم علاجهم في برامجنا، وفي البلدان التي تعمل منظمة أطباء بلا حدود ومؤسسة شركاء الصحة فيها على تسجيل الأدوية الجديدة واستيعابها وبدعم من شركة «يونيتيد» - التي تقدم التمويل من ضرائب شركات الطيران لمعالجة المشاكل الصحية المهملة التي تصيب الفقراء - أطلقنا مبادرة القضاء على مرض السل لتسريع استخدام الأدوية الجديدة في 17 بلداً تواجه أوبئة السل.
إن من المؤسف أنه يتعين على المنظمات غير الحكومية، بدلاً من الحكومات والمؤسسات الأكاديمية وشركات الأدوية، أن تضغط من أجل استخدام الأدوية الجديدة المتاحة ولقد قمنا بالتحرك لأن برامج مكافحة السل الوطنية التي تعاني من ضائقة مالية تميل إلى أن تكون متحفظة بشأن اعتماد علاجات جديدة، ولأن صانعي المستحضرات الصيدلانية ليس لديهم الحافز الكافي لنقل أدويتهم إلى الأسواق في البلدان الفقيرة.
تشير الأدلة التي جمعناها حتى الآن إلى أنه عندما يتم استخدام العقاقير الجديدة، يكون مرضى السل الذين يصعب علاجهم أكثر قابلية للشفاء وبسرعة أكبر وبالنظر إلى حجم أزمة السل العالمية فإن عمل مبادرة القضاء على مرض السل هو مجرد نقطه في بحر إلا أنها تقدم لمحة عن الاستجابة الفاشلة بشكل عام كالافتقار المروع للإرادة السياسية والخيال والاستعجال الذي يترك الملايين يموتون ونحن ننظر اليهم.
وسوف تستضيف الأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل أول اجتماع رفيع المستوى حول أزمة مرض السل حيث يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تستغل المناسبة لتتعهد بزيادة جذرية في تمويل برامج مكافحة السل في جميع أنحاء العالم وإصلاح أساليب البحث والتطوير والتي ثبت فشلها وبخلاف ذلك، سوف يتم تذكر الحدث على أنه تجمع آخر لا معنى له وهو الحدث الذي ترك عشرات الملايين يعانون بسبب العدوى الأكثر فتكاً في العالم.
وعلى وجه التحديد، ما نحتاج إليه هو طرق أبسط وأسرع وأرخص لاختبار وعلاج مرض السل، خاصة في الأماكن النائية والفقيرة ونحن بحاجة إلى أدوات أفضل لمنع العدوى في المقام الأول ولقتل العدوى الكامنة قبل أن تقتلنا وبالطبع، نحتاج إلى مجموعة قوية من الأدوية لتفادي مرض السل وأشكاله المقاومة.
وفي هذه الأثناء، يجب على حكومات البلدان التي تعاني من السل أن تستخدم الأدوات التي لديها بالفعل - على سبيل المثال من خلال بذل المزيد من الجهد لضمان توفير علاجات جديدة مثل دواء البيداكويلين و دواء دلامانيد لأولئك الذين يحتاجون إليها.
إن اجتماع الأمم المتحدة هو فرصة ذهبية لتحقيق التقدم وعلى الرغم من أنه لن يحل أزمة السل بين عشية وضحاها، إلا أنه يعد فرصة للارتقاء بمرض السل إلى الوضع الذي حددته منظمة الصحة العالمية «لحالة الطوارئ الصحية العامة ذات الاهتمام الدولي»، كما حدث في أعقاب تفشي إيبولا وزيكا.
إن الوضع الملح لأزمة مرض السل معروف جيداً للخبراء الطبيين وبالتأكيد للمرضى وعائلاتهم علما إن العلاجات التقليدية قد فشلت وملايين البشر يصابون بالمرض وفي القرن الحادي والعشرين، ينبغي أن يكون ذلك عار علينا جميعاً.

جوان ليو: الرئيسة الدولية لمنظمة أطباء بلا حدود

بول فارمر: المؤسس المشارك لمؤسسة شركاء في الصحة