حرب ترامب على الأمهات

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٨/مارس/٢٠١٨ ٠٧:١٠ ص

آن ماري سلوتر
إليزابيث رادين

في ديسمبر 2014 كانت صفحة الغلاف في مجلة التايم عن شخصية العام تحمل صورة سالومي كاروا وهي ممرضة مساعدة لم تنجُ من وباء الإيبولا في بلدها ليبيريا في ذلك العام فحسب بل إنها ساعدت كذلك موجات من المرضى على الوصول إلى عيادتها الخاصة بالإيبولا. لقد كانت سالومي بطلة ولكن كانت نهايتها مأساوية حيث توفيت قبل عام من مضاعفات الولادة وهو مرض قاتل يقتل من الناس شهريا ضعف عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب وباء الإيبولا.

لقد كانت الولادة خطرة للنساء والمواليد عبر التاريخ البشري، وفي القرن التاسع عشر كان واحد من كل مئة حمل في أوروبا ينتهي بوفاة الأم، وفي سنة 1847 أثبت طبيب الولادة الهنغاري اجناز سيميلويس أن من الممكن تخفيض عدد وفيات الأمهات بنسبة كبيرة في عيادته عن طريق قيام الأطباء بتعقيم أيديهم ولكن تم تجاهل استنتاجاته بشكل عام حتى جاء لويس باستور وقام بنشر نظرية الجراثيم والأمراض بعد عقد من الزمان.

إن معدلات وفيات الأمهات في العديد من البلدان ومن بينها ليبيريا ما تزال مرتفعة كما كان عليه الحال في أوروبا خلال الحقبة الفيكتورية، ورغم انخفاض معدل وفيات الأمهات عالميا بمقدار النصف تقريبا منذ سنة 1990 فهناك حوالي 830 امرأة تموت كل يوم وذلك نتيجة لأسباب تتعلّق بالحمل. إن الأغلبية الساحقة من تلك الوفيات تعود إلى مضاعفات يمكن الوقاية منها مثل النزيف والالتهاب، وطبقا لمنظّمة الصحة العالمية فإنه يمكن إنقاذ حياة العديد من الأمهات بحقنهن بمادة اوكستوسين من أجل وقف النزيف واستخدام أدوات معقَّمة في الولادة بالإضافة إلى تأخير الحمل حتى البلوغ.
إن القضايا المعقّدة مثل الفقر والتمييز على أساس الجنس والبنية الأساسية الضعيفة كلها تساهم في وفيات الأمهات ولكن هذه المشاكل ليست صعبة للغاية؛ فالعديد من البلدان تمكّنت بشكل كبير من تحسين صحة الأمهات وهي تعرض نماذج مبتكرة للجميع لنسخ تجربتها ففي بنجلاديش يتم استخدام نظام تيليمديسين من أجل تقديم الخدمات الصحية للسكان الذين يعيشون في المناطق النائية، وفي بيرو فإن منازل الأمومة توفّر الإقامة والإعاشة للنساء الحوامل بالقرب من المستشفى، وفي الصين وفيتنام فإن السياسات لتعزيز مشاركة العمالة النسائية تساعد النساء على كسب ما يكفي من المال لتحمّل تكلفة رعاية صحية كافية.
إن العديد من قصص النجاح تلك أصبحت ممكنة وذلك من خلال المساعدات التنموية الدولية المتعلقة بصحة الأمهات والتي زادت باطراد من 2010 إلى 2015. تفخر الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ حافل من كلا الحزبين في قيادة مثل تلك الجهود؛ فإدارة جورج بوش الابن أنفقت أكثر من 16 بليون دولار أمريكي على خطة الرئيس للطوارئ المتعلقة بالإيدز ومبادرة الرئيس للملاريا كما قامت إدارة باراك أوباما بتوسيع التزامات الولايات المتحدة المتعلّقة بمحاربة الإيدز والملاريا عالميا. عندما خرج وباء إيبولا في غرب أفريقيا عن السيطرة سنة 2014 قادت الولايات المتحدة العالم في توجيه الموارد المالية والبشرية لمواجهة الأزمة.
لكن في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب قامت الولايات المتحدة بتغيير المسار فبادئ ذي بدء سحبت التمويل من صندوق السكان التابع للأمم المتحدة وهي وكالة الأمم المتحدة والتي توفّر الرعاية الصحية الإنجابية وخدمات تنظيم النسل للاجئين وغيرهن من النساء اللاتي تأثرن بالأزمات الإنسانية.
بالإضافة إلى ذلك قامت إدارة ترامب بتوسيع «سياسة مكسيكو سيتي» والتي تُعرف كذلك «بقاعدة تكميم الأفواه العالمي» والتي تمنع المنظمات التي تتلقى تمويلا أمريكيا من تقديم المعلومات أو الإحالات المتعلقة بالإجهاض وحتى في البلدان التي يكون فيها الإجهاض قانونيا وتحت حكم الإدارات الجمهورية السابقة فإن هذه القاعدة كانت مرتبطة فقط بمبلغ يصل إلى حوالي 600 مليون دولار أمريكي تم تخصيصه لتنظيم الأسرة ولكن الشكل الجديد لتلك القاعدة يعني أن القاعدة تنطبق على جميع المنظمات التي تتلقّى أي نوع من أنواع التمويل الصحي العالمي الأمريكي والتي وصلت لمبلغ 8.8 بليون دولار أمريكي في العام الفائت.
إن هذه المقاربة شديدة القسوة لإدارة ترامب هي خطيرة على وجه الخصوص بالنسبة للمواليد الجدد والأمهات؛ ففي العديد من أجزاء الأرض فإن المنظمات الشعبية التي تقدّم خدمات تنظيم الأسرة والرعاية الصحية للأمهات والأطفال والوقاية من فيروس نقص المناعة المكتسبة/الإيدز وعلاج الملاريا عادة ما تمثّل خط الدفاع الأول والوحيد عن النساء الحوامل من خطر المضاعفات.
للأسف فإن تجاهل إدارة ترامب لرعاية الأمهات والأطفال لا يقتصر على سياسات المساعدات الخارجية الخاصة بها فبخلاف بلدان عديدة أخرى شهدت الولايات المتحدة الأمريكية في واقع الأمر زيادة في وفيات الأمهات في السنوات الأخيرة واليوم يوجد فيها أعلى معدل لوفيات الأمهات في الدول المتقدمة ولكن مهما يكن الأمر فلقد اتّخذ ترامب والجمهوريون في الكونجرس خطوات من أجل حجب التمويل على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات فيما يتعلّق بمنظمة بلاند بارينتهود وهي منظمة تقدم خدمات رعاية صحية حيوية لملايين النساء الحوامل والأمهات.
من أجل فهم الخطر الذي يشكّله ذلك على النساء انظر لولاية تكساس والتي قلّصت من تمويل منظمة بلاند بارينتهود سنة 2011 كجزء من حملة أيديولوجية ضد وسائل منع الحمل والإجهاض وبين العام 2010 والعام 2015 تضاعفت وفيات الأمهات في الولاية تقريبا واليوم هناك احتمالية أكبر بأن تموت النساء في تكساس عند الولادة مقارنة بالنساء في طاجيكستان. ربما هناك مجموعة متنوّعة من العوامل قد ساهمت في تلك الزيادة ولكن تخفيض توفير خدمات تنظيم الأسرة وخدمات الصحة الإنجابية قد جعل تلك المشكلة أسوأ.
وبينما كانت القيادة الأمريكية تعمل على تحفيز الدعم الدولي لمعالجة قضايا مثل نقص المناعة المكتسبة/الإيدز فإن المقاربة الأمريكية الحالية يمكن أن تعطي زخما للقوى الانعزالية المُعادية للمرأة حول العالم؛ ففي بولندا على سبيل المثال حاولت حكومة حزب القانون والعدالة من أقصى اليمين بالفعل أن تحظر الإجهاض وحتى في حالات تكون فيها حياة الأم في خطر ولحسن الحظ فشلت تلك الجهود ولكن البرلمان البولندي رفض كذلك مشروع قانون كان سيقدّم التمويل لوسائل منع الحمل الطارئ والرعاية الصحية والتعليم المتعلّق بالجنس وهي نفس الخدمات التي تقدّمها منظمة بلاند بارينتهود.
لقد احتفل العالم في وقت فائت من الشهر بيوم المرأة العالمي كما عادة ما يتم الاحتفال بعيد الأم في شهر مايو في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى، وعلى ضوء تلك المناسبة يجب أن يفكر الجميع في أنه كان من الممكن أن يكون هناك اهتمام أكبر بتمويل صحة الأمهات والنساء لو كانت النساء يحظين بتمثيل أكثر مساواة في الحكومة.
إن هذه ليست مسألة مجردة بالنسبة لنا؛ فعندما يهتم رجال مثل ترامب وزملائه من الجمهوريين بشكل أكبر بمنع الإجهاض مقارنة بإنقاذ حياة النساء فإن النساء في جميع أنحاء العالم سيعانين نتيجة لذلك ومن النساء اللاتي خسرناهن، لا أحد يعرف كم من هؤلاء النساء كانت لديها المقدرة والإمكانية مثل سالومي كاروا على إنقاذ حياة مئات أو الآلاف أو حتى ملايين البشر.

آن ماري سلوتر: أستاذة السياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون.

إليزابيث رادين: محاضرة في علم الأوبئة بكلية ميلمان للصحة العامة في جامعة كولومبيا.