
أحمد المرشد
على مدى ثلاثة أيام من الأسبوع الفائت، تصدر الحديث عن قوة ومتانة العلاقات المصرية – السعودية أخبار الساحة العربية، في وقت أثبت البلدان أن قوة التحالف بينهما سيعود بالنفع على القضايا العربية ومستقبل المنطقة. ومناسبة هذا الحديث هو زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة التي جسدت بقوة علامة فارقة في مسيرة العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض. وإذا كانت القمة العربية على الأبواب، وإذا كان المندوبون العرب بالجامعة العربية قد بدأوا وضع ملامح تلك القمة التي تستضيفها السعودية، فزيارة بن سلمان تزامنت مع توقيت دقيق تشهد فيه منطقتنا العربية والخليجية مخاطر عديدة، الأمر الذي يستوجب من جناحا الأمة العربية – مصر والسعودية - ضرورة ملاحقة تطورات الأزمات العربية وتكثيف التشاور والتنسيق بين البلدين، باعتبارهما ركيزة التعاون والعمل المشترك لكل من العالمين العربي والإسلامي.
لقد اكتسبت زيارة بن سلمان للقاهرة أهمية خاصة في ظل كونها الأولى للقائد السعودي في ظل منصبه الأخير كولي للعهد، وتنبع تلك الأهمية في تعزيز التحالف الوثيق البلدين وتقاربهما الملحوظ منذ فترة طويلة، . ولن أشير الى العلاقات التاريخية بين مصر والسعودية كما يتحدث كثيرون، حتى وإن كان التاريخ مهما جدا في تجسيد مدى التعاون أو التحالف بين بلدين رئيسيين في منطقة واحدة، وعوضا عن ذلك سأشير الى حجم التعاون الحديث بين قيادتين جديدتين حتى وإن الرئيس السيسي كاد ينهي ولايته الأولى. وخير شاهد أو دليل على مستوى تنامي العلاقات المصرية والسعودية مؤخرا ما تشهد تلك العلاقات الثنائية من نمو على كافة المستويات، فالتنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي لا تخطأه العين، ناهيك عن تدفق الاستثمارات السعودية، وانسياب حركة التجارة والقوى العاملة بين البلدين، ومع قرب إقامة جسر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز والذي سيربط بين مصر والسعودية ليكون خير شاهد على متانة العلاقات وعمق الروابط ما بين الشعبين.
وكما ذكرت آنفا، فأهمية التعاون المصري - السعودي، أمر في غاية الأهمية في عالمنا العربي اليوم، فالتحالف بينهما كفيل بملء فراغ القيادة في المنطقة في وقت انتهى فيه زمن قيام دولة واحدة بهذا الدور. وقد نشير تحديدا الى منطقة البحر الأحمر وما تتطلبه من تعاون كثيف بين القاهرة والرياض من جهة وكافة الدول المطلة عليه من جهة أخرى، مع إدراكنا التام بأن البحر الأحمر أصبح في وقتنا الراهن ساحة للحرب وليس التعاون وهو ما يجب أن يكون، فالعديد من الدول الكبرى والإقليمية تسعى لبسط نفوذها وتعزيز وجودها العسكري سواء في البحر نفسه أو المنطقة المحيطة به.. وهو ما يمثل آثاراً سلبية على الأمن القومي المصري والسعودي معا. فعلى المستوى المصري، يمثل البحر الأحمر البوابة الجنوبية لقناة السويس، وبالتالي من يتحكم فيها سيتحكم بدوره على حركة الملاحة بالقناة وعلى الأمن المصري بشكل عام. كما البحر الأحمر أيضا نفس الأهمية الإستراتيجية للسعودية، في ظل اعتماد «رؤية المستقبل 2030» على سواحله التي تضم العديد من المشروعات الضخمة، ومنها مشروعات مشتركة مع مصر .
ولا يخفى على أحد مدى اهتمام الرياض بتلك الرؤية وتحويلها الى واقع في أقرب وقت، وهي الرؤية التي تعتمد على تنويع المصادر الاقتصادية وليس النفط فقط، بما يحقق توازناً مالياً بالمملكة، والعمل على تشجيع الاستثمارات الأجنبية. وأِشير هنا إلى مبعث اهتمامي بضرورة التعاون بين مصر والسعودية بشأن أمن البحر الأحمر، فقد اجتمعا وزيرا خارجية البلدين سامح شكري وعادل الجبير قبل شهرين تقريبا على هامش لقاء اللجنة العربية المعنية بالقدس في عمان، وقد أعلنا الاتفاق في بيان مشترك أن أمن البحر الأحمر يعد امتدادا للأمن القومي العربي. أما عن الواقع، فقد بحثت عن إمكانية تحقيق هذا التعاون وإنجاز خطوات أكبر للأمام، وقرأت مقترحا عن طرح مبادرة مشتركة (مصرية- سعودية) يكون عنوانها «بحر أحمر مزدهرا»، ونعلم أن الازدهار يأتي في ظل الاستقرار، على أن تضم المبادرة كل الدول المطلة على ساحله بالإضافة للدول المجاورة التي تعتمد عليه بشكل كبير مثل دول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، وكذلك الدول الكبرى التي يمر جانب كبير من تجارتها عبره، والتي أنشأ بعضها بالفعل قواعد عسكرية في المنطقة.
وقبل كشف تفاصيل المقترح، نؤكد أن منطقة البحر الأحمر تمثل عمقا استراتيجيا لمصر والسعودية ولها تأثير مهم على أمنهما القومي والأمن القومي العربي عموما، في وقت لا تخطئ فيه عين المؤشرات الكثيرة على تزايد التنافس الدولي والوجود العسكري بالبحر الأحمر وامتداده بالقرن الأفريقي وشرق أفريقيا. والمسألة لا تتعلق فقط بتهديد حرية الملاحة، ولكن هناك أيضا تهديد للمشاريع الاقتصادية والتنموية التي أعلنت مصر والسعودية إنشاءها بمنطقة البحر الأحمر سواء بشكل منفرد، أو في إطار التعاون المشترك بينهما، وهو ما سنفسره لاحقا.
ويعتمد الاقتراح على ثلاثة أركان رئيسية، الأول تعلن الدول المنطقة على البحر الالتزام بحرية الملاحة فيه والمضايق المؤدية إليه، استنادا لقواعد القانون الدولي وقانون البحار، واحترام الحقوق الاقتصادية في ثرواته استنادا للقواعد الدولية. ويعتمد الشق الثاني على تشجيع التعاون الاقتصادي بين الدول المطلة علي البحر وخاصة في مجال البنية التحية مثل الطرق والموانئ والتي قد تساهم في ازدياد حركة التجارة عبره، وتشجيع التواصل والتفاعل بين شعوب المنطقة. ويتعلق الركن الأخير بالتعاون الأمني والعسكري بين دوله، وتحديدا على مستوى مكافحة الإرهاب والقرصنة، وتحسين قدرات الأمن البحري، وتنفيذ مناورات مشتركة فيما بينها.
ووفقاً لما نشر خلال الزيارة، فإن السعودية تعتزم إنشاء سبع نقاط جذب بحرية سياحية في البحر الأحمر، في إطار المدينة العملاقة والمنطقة التجارية المعروف باسم مشروع «نيوم» الضخم، ما بين مدن ومشاريع سياحية. وتعمل أيضا على إنشاء 50 منتجعاً على البحر الأحمر و4 مدن صغيرة في مشروع البحر الذي أعلنت عنه الرياض مؤخرا. كما ستقوم بتطوير المناطق بين «نيوم» ومشروع البحر الأحمر، بالإضافة إلى 3 وجهات سياحية أخرى بين جزر وشواطئ، وأكثر من 15 واجهة بحرية ومئات المنتجعات. ويتضمن الجانب المصري في مشروع «نيوم» مركزاً تجارياً عملاقاً، فضلاً عن مارينا كبرى لخدمة سياحة اليخوت والتي تستهدف في الأساس سياحة الأثرياء، ومن شأن نجاح تنفيذ المشروع تحقيق إيرادات كبيرة من العملات الصعبة. علما بأن مصر تعهدت بتخصيص 1000 كيلومتر مربع من الأراضي في جنوب سيناء لتكون ضمن المشروع الذي كان «بن سلمان» قد أعلن إقامته من قبل على مساحة تزيد على 26 ألف كيلومتر، خلال مؤتمر دولي للاستثمار في الرياض، وتوقع مسؤولون أن يبلغ إجمالي الاستثمارات العامة والخاصة في المنطقة 500 بليون دولار. ومن شأن تعاون مصر والسعودية والأردن في المشروع السعودي الواعد أن يسفر عن نقلة نوعية في التعاون بين الدول الثلاث، والمساهمة في تحويل هذه المنطقة إلى ساحة للاستقرار والتنمية بدلاً من الصراع والفوضى.
وهنا لا يسعني سوى التأكيد على أن التعاون المصري – السعودي يجسد الشراكة التي ترسم مستقبل المنطقة بأسرها، في ظل اهتمام الدبلوماسيتين المصرية والسعودية بصنع قرارات تعكس مصالح كافة دول المنطقة، فمثل هذا التعاون من شانه تأسيس شراكات اقتصادية وأمنية على أعلى مستوى لما فيه مصلحة الشعوب.
كاتب ومحلل سياسي بحريني