الشعوب لدى البنك الدولي

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٩/فبراير/٢٠١٨ ٠٥:١٦ ص

جيفري ساكس

يعلن البنك الدولي أن مهمته تتلخص في إنهاء الفقر المدقع في غضون جيل واحد وتعزيز الرخاء المشترك. ومثل هذه الأهداف متفق عليها عالمياً بوصفها جزءاً من أهداف التنمية المستدامة. ولكن البنك الدولي يفتقر إلى استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والآن بدأ يتحول باتجاه وال ستريت لإرضاء السياسيين في واشنطن. وينبغي لرئيس البنك، جيم يونج كيم، أن يعمل على إيجاد مسار أفضل إلى الأمام، وهو قادر على القيام بهذا من خلال التأمل في واحد من نجاحاته العظيمة.

في الفترة من العام 2000 إلى العام 2005، عملت مع كيم بشكل وثيق من أجل تعزيز استجابة العالم لوباء الإيدز (نقص المناعة البشرية المكتسبة). وقد استخدمت منظمة شركاء في الصحة، وهي المنظمة الحكومية التي تولى كيم قيادتها هو وزميله من جامعة هارفارد، الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية، لمعالجة ما يقرب من 1000 من سكان المناطق الريفية الفقراء المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في هايتي، وإعادتهم إلى الصحة والأمل.

قبل ثمانية عشر عاما، نبهت كيم وفارمر إلى أن نجاحهما في هايتي يمكن توسيعه بحيث يمتد إلى الملايين من البشر بتكلفة منخفضة وفوائد اجتماعية بالغة الارتفاع. وقد أوصيت بإنشاء آلية تمويل جديدة متعددة الأطراف، أو الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز، فضلا عن جهود تمويل جديدة من جانب الولايات المتحدة.
وفي أوائل العام 2001، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، ثم في العام 2003، أطلق الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش برنامج بيبفار. وكانت منظمة الصحة العالمية، بقيادة مديرها العام جرو هارلم برونتلاند، حريصة على استخدام كيم لقيادة جهود المنظمة الرامية إلى توسيع نطاق عملها وتعزيزه. وقام كيم بعمل رائع، حيث ساعدت جهوده في توفير الأساس لجلب الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية للملايين من البشر، وإنقاذ الأرواح وسبل العيش والأسر.
وينطوي هذا النجاح العظيم على أربعة دروس. الأول أن القطاع الخاص كان شريكا مهما، من خلال توفير العقاقير المحمية بموجب البراءات بتكلفة الإنتاج. وتنازلت شركات الأدوية عن تحقيق الأرباح في الدول الأكثر فقرا بدافع من اللياقة وتحسين السمعة. فقد أدركت أن حقوق البراءات، إذا مورست بشكل مفرط، ستكون بمثابة حكم بإعدام الملايين من الفقراء.
ثانيا، كانت الجهود مدعومة من قِبَل مؤسسات خيرية خاصة، بقيادة بِل جيتس، الذي ألهم آخرين أيضا بالتقدم والمساهمة. فقد دعمت مؤسسة بِل وميليندا جيتس الصندوق العالمي الجديد، ومنظمة الصحة العالمية، ولجنة الاقتصاد الكلي والصحة، التي توليت قيادتها لصالح منظمة الصحة العالمية في الفترة من 2000 إلى 2001 (والتي نظمت حملة ناجحة لزيادة تمويل المانحين لمكافحة الايدز وغيره من الأمراض القاتلة).
ثالثا، اتخذ تمويل مكافحة الإيدز هيئة المنح المباشرة، وليس قروض وال ستريت. فلم يُنظَر إلى مكافحة الإيدز في البلدان الفقيرة على أنها استثمار يولد الربح ويحتاج إلى هندسة مالية بارعة. بل كان يُنظَر إليه باعتباره منفعة عامة بالغة الأهمية وتتطلب من المؤسسات الخيرية والدول المرتفعة الدخل تمويل علاجات منقذة للحياة لصالح الفقراء والمحتضرين.
رابعا، تولى متخصصون مدربون في مجال الصحة العامة الجهود بالكامل، في حين عمل كيم وفارمر كنموذجين للاحترافية والاستقامة. فالصندوق العالمي لا يملأ جيوب الوزراء الفاسدين، ولا يقايض التمويل بامتيازات نفطية أو صفقات سلاح. ويطبق الصندوق العالمي معايير فنية صارمة في التعامل مع الصحة العامة، ويعتبر البلدان المتلقية مسؤولة ــ بما في ذلك من خلال الشفافية ومتطلبات التمويل المشترك ــ عن تسليم الخدمات.
يتعين على البنك الدولي أن يعود إلى مهمته. وتدعو أهداف التنمية المستدامة، بين أمور أخرى، إلى القضاء على الفقر المدقع والجوع، وترسيخ التغطية الصحية الشاملة، والتعليم الابتدائي والثانوي الشامل للجميع بحلول العام 2030. ولكن على الرغم من التقدم البطيء نحو تحقيق هذه الأهداف، لا يُظهِر البنك أي علامة تدل على انزعاج أو الاتجاه إلى تبني استراتيجية للمساعدة في وضع أهداف التنمية المستدامة على المسار الصحيح لعام 2030. بل على العكس من ذلك، كانت تحركات البنك الدولي باهتة عمليا، بدلا من تبني أهداف التنمية المستدامة بوضوح، وعلاوة على ذلك، سُمِع مسؤولون في البنك يتحدثون بشكل سلبي عن أهداف التنمية المستدامة في أروقة السلطة. ربما لا يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يسمع عن مسؤوليات حكومته إزاء أهداف التنمية المستدامة. لكن مهمة كيم تتخلص في تذكرته والكونجرس الأميركي بهذه الالتزامات ــ وأن رئيسا جمهوريا، جورج دبليو بوش، هو الذي خاض بإبداع ونجاح المعركة ضد الإيدز.
وربما تساعد مؤسسات وال ستريت على نطاق واسع في إعادة هيكلة تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، والنقل العام، والطرق السريعة، وغير ذلك من مشاريع البنية الأساسية التي يمكنها تغطية تكاليفها من خلال الضرائب ورسوم الاستخدام. ومن الممكن أن تساعد الشراكة بين البنك الدولي ووال ستريت في ضمان السلامة البيئية لهذه المشاريع وعدالتها مع المجتمعات المتضررة. وسيكون كل هذا من أجل الخير. بيد أن مثل هذه المشاريع، المصممة لتحقيق الربح أو استرداد التكاليف على الأقل، لا تكفي ولو من بعيد لإنهاء الفقر المدقع. إذ تحتاج الدول الفقيرة إلى المنح وليس القروض، لتغطية تكاليف احتياجات أساسية مثل الصحة والتعليم. وينبغي لكيم أن يستفيد من خبرته كرائد للصحة العالمية خاض معركة ناجحة ضد الإيدز، بلاد من تبني نهج من شأنه أن يغرق الدول الفقيرة في الديون. نحن نحتاج إلى صوت البنك الدولي وجهوده المضنية لتعبئة تمويل المنح لصالح تحقيق أهداف التنمية المستدامة. تتطلب الرعاية الصحية للفقراء التدريب المنتظم ونشر العاملين في مجال الصحة المجتمعية، وتوفير وسائل التشخيص، والأدوية، وأنظمة المعلومات. ويستلزم تعليم الفقراء توفير المعلمين المدربين، وحجرات الدرس الآمنة الحديثة، وإمكانية التواصل مع مدارس أخرى والوصول إلى المناهج على الإنترنت. والواقع أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة هذه ممكن، ولكن هذا لن يتسنى إلا إذا توفرت استراتيجية واضحة، فضلا عن تمويل المنح، وآليات التسليم الواضحة. كما ينبغي للبنك الدولي أن يعمل على تطوير الخبرات اللازمة لمساعدة الجهات المانحة والحكومات المتلقية في إنجاح هذه البرامج. ومن المؤكد أن كيم يعرف كيف يقوم بذلك على وجه التحديد، من واقع خبرته الخاصة. إن ترامب وغيره من قادة العالَم مسؤولون شخصيا عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويتعين عليهم أن يبذلوا قدرا أكبر كثيرا من الجهد. كما ينطبق الشيء نفسه على أصحاب الثراء الفاحش على مستوى العالَم، والذين بلغوا درجة غير مسبوقة من الثراء تاريخيا. فقد تلقوا الجولة تلو الأخرى من التخفيضات الضريبية والإعفاءات الضريبية الخاصة، والائتمان السهل من البنوك المركزية، فضلا عن المكاسب الاستثنائية من التكنولوجيات التي تعمل على تعزيز الأرباح في حين تؤدي في الوقت نفسه إلى انخفاض أجور العمال غير المهرة. وحتى في ظل رخاوة أسواق الأوراق المالية مؤخرا، فإن أصحاب المليارات في العالَم، الذين يتجاوز عددهم الألفين، يملكون نحو 10 تريليونات دولار أمريكي من الثروة ــ وهو ما يكفي لتغطية التمويل الكامل للجهود التراكمية اللازمة لإنهاء الفقر المدقع، إذا قامت الحكومات أيضا بدورها. عند الذهاب إلى وال ستريت، أو دافوس، أو غير ذلك من مراكز الثروة، ينبغي للبنك الدولي أن يلهم أصحاب المليارات وأن يحضهم على توظيف ثرواتهم المتزايدة في الأعمال الخيرية الشخصية لدعم أهداف التنمية المستدامة. والواقع أن بِل جيتس يفعل هذا على وجه التحديد، وبنتائج تاريخية، في مجال الصحة العامة. تُرى مَن مِن أصحاب المليارات قد يناصر أهداف التنمية المستدامة في مجال التعليم، والطاقة المتجددة، والمياه العذبة والصرف الصحي، والزراعة المستدامة؟ من خلال الاستعانة بخطة واضحة في التعامل مع أهداف التنمية المستدامة، يستطيع البنك الدولي أن يجد الشركاء القادرين على مساعدته في الوفاء بمهمته الأساسية التاريخية البالغة الأهمية.

أستاذ التنمية المستدامة وأستاذ السياسة

الصحية والإدارة في جامعة كولومبيا