صراع (الأخوة الأعداء) في عدن!

مقالات رأي و تحليلات الخميس ٠١/فبراير/٢٠١٨ ٠٣:٢٧ ص
صراع (الأخوة الأعداء) في عدن!

علي ناجي الرعوي

تأمل البعض أن الواقع في جنوب اليمن سيتحسن بعد سيطرة القوات العسكرية الموالية للسلطة المعترف بها دولياً والمسنودة من التحالف العربي على معظم محافظاته السبع وخروج القوة الأخرى التابعة لجماعة أنصار الله من تلك المحافظات إلا أن المواجهات المسلحة التي تفجرت في مدينة عدن يوم الأحد الفائت بين قوات الحماية الرئاسية التي تدين بالولاء لحكومة الشرعية وألوية المقاومة الجنوبية التي تشكلت مؤخراً بغية مواجهة تمدد جماعة أنصار الله في الجنوب قد أعادت إلى أذهان المواطنين أحداث يناير العام 1986 والتي لا زالت حاضرة في ذاكرة أبناء عدن لبشاعة ما خلفته من الضحايا والذين جرى تصفية الآلاف منهم على قاعدة الفرز المناطقي والجهوي المقيت ليظهر الحزب الاشتراكي والأممي حينها ليس أكثر من وعاء سياسي لجماعات قبلية متناحرة شديدة المناطقية والعصبوية الجهوية.

لم يكن مفاجئاً ما حدث في مدينة عدن كبرى حواضر الجنوب اليمني من قتال ومواجهات عسكرية ضارية بين فصيلين متضادين ينحدر أصول معظم أفرادهما إلى ثلاث محافظات جنوبية حيث كان من الملاحظ في هذه المواجهات هو دخول الجانب الجهوي على الخط فأبناء الضالع وجزء من لحج هبوا للوقوف مع قوات المقاومة الجنوبية أو ما يسمى المجلس الانتقالي برئاسة عيدروس الزبيدي الذي ينتمي لمحافظة الضالع فيما تدافع العشرات من محافظة ابين لنصرة قوات الحماية الرئاسية التابعة للرئيس هادي الذي ينتمي هو الآخر لنفس المحافظة مما أظهر الطرفان وكأنهما يكرران ذات المواجهة التي حدثت في منتصف الثمانينات من القرن الماضي وكان معظم ضحاياها من أبناء المحافظات الثلاث وقد يكون من الغريب فعلا أن هذين الفصيلين اللذين توحدا قبل أكثر من عامين لإخراج قوات حركة أنصار الله ومن تحالف معها من عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى يفترقان كلياً حينما بدا النزاع والصراع المجنون على من سيحكم الجنوب.

وبصرف النظر عن مبررات كل طرف فقد كانت مثل تلك المواجهات متوقعة منذ الإعلان عن المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017 والذي كشف من البداية عن أجندته التي يتصدرها دون مواربة السيطرة على الجنوب وفك الارتباط مع الشمال واستعادة الدولة الشطرية التي كانت قائمة قبل أن يتوحد اليمن في مايو 1990 بل إنه كان واضحاً أكثر من اللازم من أنه سيتجه نحو فرض تلك الأجندة سلما أو حربا بعد أن أصبحت لديه القوة العسكرية التي تؤهله لمنازعة شرعيته الرئيس هادي في الجنوب وإسقاط مشروع الدولة الاتحادية الذي تتمسك به حكومته باعتباره المشروع الذي توافقت عليه إرادات القوى السياسية اليمنية في مؤتمر الحوار الوطني قبل سيطرة حركة أنصار الله على مفاصل السلطة بالعاصمة صنعاء وإسقاطها لحكومة الوفاق في سبتمبر 2014.
مما لا شك فيه أن أسوأ أخطاء الحكومة الشرعية تمثلت في إهدارها لكل الفرص التي توفرت لها من أجل إعادة التقريب بين اليمنيين وإزالة الرواسب التي فرقتهم على أساس مناطقي أو حزبي أو سياسي أو مذهبي ومع هذا فإن كل اللافتات التي رفعت في عدن لتكون باعثاً للاقتتال بين الأخوة الأعداء لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بدوافع ذلك الاقتتال والذي تشي كل الوقائع بأن خلفياته تعود إلى صراعات قديمة ما زالت آثارها عالقة في الذهنية الجنوبية خصوصا إذا ما علمنا أن الاستفزاز والتخوين السياسي اللذين مارسهما الأخوة الأعداء بداية من استقلال الجنوب عن الاستعمار البريطاني وأثناء حقبة الحكم الاشتراكي وما تلاها من موجات عنف متتالية حتى حرب العام 1994 عقب الوحدة قد انعكسا بشكل مباشر وغير مباشر كأزمة ثقة بين معظم النخب الجنوبية، والتي ظلت تستجر ثاراتها كل ما تكون لديها فائض من القوة ولا نجد مناصا من أن ما جرى في عدن من مواجهات قد جاء مدفوعا بتلك التناقضات التي تحولت معها كل قوة إلى قوة منتحرة مستفيدة من حالة الفوضى والإرباكات والصراعات التي تطغى على المشهد اليمني برمته.
وكما اعتمدت هذه الأطراف طيلة مراحل التاريخ اليمني الحديث.. مراحل البناء والهدم على حد سواء سبل العنف للفوز والظفر بالسلطة فإنها وبنفس الأسلوب سعت إلى تصفية حسابتها عن طريق تلك المعركة التي أشعلتها خلال الأيام القليلة الفائتة لتخرج إلى هذه المعركة وكل منها يبحث عن استحقاقات الانتصار داخل الحدود التي رسمها بمعايير مصالحه الخاصة وليس مصلحة اليمن الحاكمة ومع الأسف فقد استخدم كل منها المفردات السياسية الحادة التي تعبر عن توجهاته ومخططاته انطلاقا من تحفيز الغرائز وإثارة الانفعالات العاطفية وتأجيج النعرات المناطقية والقبلية فضلاً عن النقد القاسي والاتهامات لبعضهم البعض دون وعي أو إدراك أن هذا النوع من الصراع هو من قد يستولد صراعات مناطقية وجهوية قادمة لا تخلو من النزعة الانتقامية وقد رأينا بعض ملامح هذه الصورة في تفاصيل المواجهة التي شهدتها مدينة عدن والتي وإن توقفت بعد تدخل دول التحالف وقيامها بعملية شد الحبال لإرغام الطرفين على البقاء بالقرب من الحافة فإن تداعياتها الخطيرة ستظل تتغلغل في ثنايا الوضع المحتقن في تلك المدينة عدن التي تختزن العديد من البراكين.
كارثية الثنائيات الحاكمة اليوم في عدن تكمن في إصرارها على إنتاج مزيد من الثنائيات كما هو الحال في إحدى أهم تجلياتها الراهنة والتي تظهر فيها عدن تتجاذبها ثلاثة مشاريع يتداخل فيها مشروع التقسيم الذي يتبناه الحراك الجنوبي مع مشروع القوى ذات الصبغة (السلفية) وما يحمله هذا المشروع من أفكار لإعادة إنتاج النموذج الموحد ضمن منظومة التقسيم المذهبي على مستوى المحافظات والأقاليم وبين المشروعين يطل ثالث أكثر راديكالية ممثلاً بتنظيم (القاعدة) أو ما يشبهه على الأرض اليمنية لتبدو الأوضاع في عدن واليمن عموماً مثقلة بحزمة مدمرة ومتداخلة من الصراعات السياسية والمذهبية والجهوية وحروب الوكالة الأمر الذي من شأنه أن يزيد من تعقيد التكهنات لما ستؤول إليه الأحداث مستقبلاً.
بعد كل ما جرى في عدن لن يستطيع أحد الحديث عن أن هذه المدينة كانت أقرب إلى الحداثة والمدنية والسؤال الكبير الذي ما برح يتردد: لماذا تدفع عدن فاتورة الحرب؟ ولماذا يأتي الجميع بصراعاتهم لمحاصرة هذه المدينة التي ظلت في كل المراحل حاضنة لكل الرموز الوطنية والفكرية والاجتماعية من مختلف مناطق اليمن؟.