مجلس دول التعاون في ظروف مختلفة.. ألعاب متشابكة متضاربة أنشأت حالة من الفوضى.»6-8»

مقالات رأي و تحليلات الأحد ١٤/يناير/٢٠١٨ ٠٤:٢٦ ص
مجلس دول التعاون في ظروف مختلفة..

ألعاب متشابكة متضاربة أنشأت حالة من الفوضى.»6-8»

مرتضى بن حسن بن علي

إعادة الثقة والتعاون الوثيق بين دول مجلس التعاون سيحتاج إلى كثير من الجهود المخلصة والتضحيات المتبادلة والفهم المشترك لطبيعة المشاكل والتحديات التي تواجهها كل الدول منفردة ومجتمعة، ويستغرق ذلك وقتاً ليس بالقصير بسبب كل الأزمات التي واجهتها وتداعياتها بما في ذلك طبيعة الألغام التي ما زالت موجودة والمرشحة بالانفجار في أية لحظة.

وعلى الرغم من الوساطة التي تقوم بها الشقيقة الكويت -مسنودة من عمان حسبما نظن- لنزع فتيل الأزمة الحالية والتوصل إلى حلول توافقية، فإن الشكوك التاريخية -القريبة منها والبعيدة-قد تأخذ فترة طويلة لتجاوزها، وقد تعود مجدداً في حال تبدل الظروف الإقليمية والدولية بسبب طبيعة بعض المشاكل الهيكلية الموجودة والأمراض التي أنتجتها.

ولمعالجة أي مرض مهما كان، عضوياً أو سياسيا أو اقتصادياً، فلا بد بداية من الاعتراف بالمرض وإيجاد توصيف دقيق عما يعانيه المريض لكي يتسنى للطبيب من تشخيصه قبل إيجاد العلاج المناسب له. وقبل أن يقدر الطبيب من تشخيص المرض عليه أن يرسل المريض إلى مجموعة من الأطباء المهرة الآخرين لإجراء الفحوصات المختلفة. وإذا يقال في الطب إن تشخيص الأمراض نصف الطريق إلى علاجها، فإن نفس القول ينطبق على «الأمراض السياسية والاجتماعية والاقتصادية». ووسائل الفحص لا أول لها ولا آخر منها التحاليل المعملية، كيمياوية ومناعية وجينية. وهناك وسائل التصويرية بالأشعة تنفذ الى كل موقع من الجسم. وهناك الدراسات الفسيولوجية والكهربية تختبر كل جزئية. وهناك المناظير الداخلية تخترق أعماق الجسم، وهناك تحاليل ودراسة الأنسجة لفك طلاسم التركيب البشري ذاته.
ويبدو واضحاً رغم كل الأزمات التي واجهتنا وكل الاجتماعات التي عقدناها والتقارير التي كتبناها وكل الاتفاقات التي وقعّنا عليها فإنها لم تسعفنا والذي يعني وجود خطأ في التشخيص وبالتالي وجود خطأ في العلاج والذي يتطلب ضرورة إعادة الفحص بما يستجد من وسائل قادرة على الإحاطة بكل أبعاد واقعنا إذا كانت أرادة الشفاء وكذلك إرادة الصحة متوفرة. وعكس ذلك سنصل الى محظور ضياع الفرصة، محظور استسلامنا لعملية نحر وتأكل لا نعرف الى أين سوف توصلنا، محظور الاندفاع الى الفوضى الشاملة ولفترة قد تطول، حتى تبرز قوة في الداخل تقدر على ضبط الأمور أو الأخطر تأتي من الخارج قوة تتولى هذه المهمة.
وربما أن هذه الفوضى الشاملة قد تسحب -وفِي الغالب أنها سوف تسحب-زلازل عنيفة على شقوق وانفلاقات جاهزة للزلازل، وهذا هو أخطر الاحتمالات على أي مستقبل خليجي وسط كل الإمكانات الهائلة الزاحفة ونحن نقترب من العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
لا تزال الحدود بين أقطار دول الخليج، مسار قلق وتوتر ولَم تزل دول الخليج عاجزة حتى الآن من الوصول إلى حلول جذرية تبطل فتيل هذه القنابل الموقوتة التي تهدد بالانفجار في أية لحظة. وربما أن الاستثناء كان توقيع عمان على اتفاقيات مع كل الدول التي لها حدود مشتركة. والتوقيع النهائي على اتفاقية الحدود بين السلطنة والجمهورية اليمنية في العام 1992 ستظل ساطعة في الخليج وتاريخه بوصفها شعاع أمل ونور وسط منطقة داكنة. لقد تصدت عمان لمسؤولياتها التاريخية والوطنية والقومية لتعطي للخليج وجه عمان بأكمله بالحكمة والخبرة. وتلك الاتفاقية وغيرها أكدت بان التوازن والاتزان والاعتدال والنظرة البعيدة التي رفعتها القيادة العمانية لم تكن ترفا أو بذخا فائضا، وإنما هي ضرورة حياتية تضمن الاستقرار والأمن والالتزام المتبادل بين عمان وجاراتها وأثبتت أن الحلول ممكنة في ظل روح الإخوة والتسامح وبما يحفظ مصالح كل الأطراف ويصون أمنها واستقرارها بدلا أن تتحول هذه المشاكل الى أزمات مزمنة تعرقل مساعي التنمية وتهدد أجيالها المقبلة. ولعل الاستفادة من النموذج العُماني يجب أن يكون ماثلا أمام أي تحرك إيجابي لحل الخلافات وتجاوز العقبات بين الأشقاء.
لقد أصبحت دول الخليج حائرة في علاقات بعضها بالبعض الآخر وحائرة أمام ما يحدث في العالم وحائرة في كيفية حل تناقضاتها. لقد وصلت الخلافات الخليجية المختلفة ومنها القضايا الحدودية العالقة وعدم الثقة الى درجات أدت إلى قيام بعض الدول إلى بناء مزيد من دفاعاتها ضد أطراف من المفترض انها شريكة في مشروع النظام الخليجي. أطراف تتحدث عن التضامن ولا تعرف آلياته وأطراف تتحدث عن الاتحاد ولا تدرك شروطه وأطراف تتحدث عن التنمية ولا تملك مستلزماتها وأطراف تتحدث عن حقوق لها وعليها ولا تعرف طرقها. أطراف تتحدث عن السلام وتجهل سبله وأطراف تتحدث عن الحرب ولا تملك وسائلها. خليج يعيش في عالم اليوم ولا يعرف عن حقائقه.
ما شهده الخليج خلال السنوات الفائتة كان عبارة عن ألعاب متشابكةً متضاربة لم تنشأ نظاما خليجيا جديدا ولعلها أنشأت حالة من الفوضى الخليجية متشابكة مع الفوضى العربية ولا تعرف تقدير نتائجها أو حساب تفاعلاتها في حالة استمرارها ولا سيما أن المنطقة العربية وما يحيط بها ترتج بالزلازل وتفور بالبراكين وتختلط معها مواريث الإسلام بمؤثرات حضارية مختلفة عنه الى جانب قضايا هوية وثقافية وسياسية ومشكلات نمو.
وكثير من المناطق لعب فيها المال العربي -والخليجي تحديدا-دورا يصعب فهمه -من الصومال والسودان والعراق وسوريا ولبنان وليبيا وتونس واليمن وأفغانستان وباكستان وغيرها-. وكل ذلك أدى الى زيادة في حدة المشاعر الدينية والطائفية والقبلية والى تجارة غير مسبوقة في السلاح والى تحويل المنطقة الى أكبر مركز لتجارة المخدرات في العالم. وأحيانا تصور المال العربي والخليجي ان بناء بعض المساجد هنا وهناك كفيل بإعطاء دور له.وباختصار فقد لعب المال الخليجي دورا مهما في كثير من المشاكل التي نواجهها وأصبحت رائحة الموت هي الرائحة التي تملأ أجواء كثير من المناطق المحيطة بالخليج كما أصبحت الأعلام السوداء وصور الشهداء والقتلى هي أول ما يطالع العين في كثير من المناطق التي لعب فيها المال الخليجي دورا.
أما في الشأن الداخلي لكل دولة فإن معظم دول الخليج أخفقت في حل كثير من مشاكلها الداخلية، من الاقتصاد الى التعليم الى التدريب والاجتماع وإيجاد حلول لتوافد مجموعات مكثفة من القوى العاملة الوافدة أو إيجاد وظائف للأجيال الجديدة للشبيبة الخليجية الداخلة الى سوق العمل في الوقت الذي كانت الموارد المالية تدخل خزائنها بطرق خيالية. فهل سوف تدرك الآن هشاشة أوضاعها بعد تراجع عائداتها من تصدير النفط واستنضاب الاحتياطيات التي تكونت في وقت الفائض لمواجهة عجوزات الموازنات العامة التي تتفاقم لسد احتياجات الصرف على الباب الأول من النفقات العامة الخاصة برواتب وأجور موظفي الدولة الذين أصبحوا فائضين عن الحاجة وأصبحت الدوائر مترهلة أكثر من اللازم؟ وتتجلى خطورة الأوضاع الاقتصادية الراهنة على دول الخليج عندما تدرك هشاشة القاعدة الإنتاجية نتيجة الإخفاق في بناء قاعدة اقتصادية بديلة للنفط.
أصبح ضروريا لدول الخليج أن تتجاوز الأزمة بعقلية واضحة وأن تحاول بكل الطرق الممكنة والواقعية أن تتجاوز وأسبابها ونتائجها وآثارها برؤية مختلفة ووضع الأمور في نصابها. من المستحيل بناء مستقبل أو نظام جديد قائم على واقع هزيل وهش. وهذا يعني ضمن أشياء أخرى إيجاد نظرة مختلفة تماما والبدء في إيجاد مؤسسات قوية وفاعلة في مختلف الحقول.

appleorangeali@gmail.com