سِــباق مع الآلة

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ١٠/يناير/٢٠١٨ ٠٤:٤٥ ص

روبرت سكيدلسكي

أصبح تبديد المخاوف والجزع بشأن الروبوتات الشغل الشاغل الرئيسي في مجال الدفاع عن عقائد المال والأعمال. يذهب الحس السليم -بعيدا عن الحماقات- إلى أن عدد الوظائف المتاحة للبشر يتناقص كلما تزايد عدد الوظائف المؤتمتة (المحوّلة إلى التشغيل الآلي). وتُعَد السيارة بدون سائق المثال الرئيسي في هذا السياق. فإذا كان بوسع السيارات أن تقود نفسها، فماذا قد يحل بالسائقين الخصوصيين، وسائقي سيارات الأجرة، وما إلى ذلك؟

تنبئنا النظرية الاقتصادية بأن مخاوفنا لا أساس لها من الصحة. ذلك أن ربط الآلات بالعمال يزيد من إنتاجهم لكل ساعة عمل. ثم يصبحون أمام اختيار يحسدون عليه: فإما أن يعملوا عدد ساعات أقل بنفس الأجر السابق، أو يعملوا نفس عدد ساعات العمل في مقابل أجر أعلى. ومع انخفاض تكلفة السلع الحالية، يُصبِح لدى المستهلكين قدر أكبر من المال لزيادة الإنفاق على نفس السلع أو سلع مختلفة. وفي كلتا الحالتين، لا يوجد سبب يدعونا إلى توقع خسارة صافية للوظائف البشرية -أو أي شيء غير تحسن مستويات المعيشة على نحو متواصل.
ويؤكد التاريخ كل هذا. فعلى مدار آخر مئتي عام أو نحو ذلك، كانت الإنتاجية في ارتفاع مطرد، وخاصة في الغرب. وقد اختار الناس الذين يعيشون في الغرب المزيد من أوقات الفراغ والدخل الأعلى في نفس الوقت. فانخفضت ساعات العمل في الدول الغنية بنحو النصف منذ العام 1870، في حين ارتفع نصيب الفرد في الدخل الحقيقي بمقدار خمسة أضعاف.
ولكن كم عدد الوظائف البشرية القائمة «المعرّضة لخطر» استيلاء الروبوتات عليها؟ وفقا لتقرير عظيم القيمة من إعداد معهد ماكينزي العالمي، ربما يمكن من الناحية النظرية أتمتة نحو 50%من الوقت الذي يُنفَق على أنشطة العمل البشري في الاقتصاد العالمي اليوم، وإن كانت الاتجاهات الحالية تشير إلى 30%بحد أقصى بحلول العام 2030، اعتمادا في الأساس على سرعة تبنّي التكنولوجيا الجديدة. وتشير توقعات نقطة المنتصف وفقا للتقرير إلى: 24%في ألمانيا، و26%في اليابان، و23%في الولايات المتحدة، و16%في الصين، و9%في الهند، و13%في المكسيك. وبحلول العام 2030، سيحتاج 400 مليون إلى 800 مليون فرد، وفقا لتقرير معهد ماكينزي العالمي، إلى إيجاد مهن جديدة، وبعض هذه المهن لا وجود لها في الوقت الحاضر.

لا يبتعد معدل إزاحة الوظائف هذا كثيرا عن الاتجاه في فترات سابقة. وأحد الأسباب التي تجعل الأتمتة مخيفة إلى هذا الحد اليوم هو أن التعرّف على المستقبل كان أصعب في الماضي: فكنا نفتقر إلى البيانات الداعمة للتنبؤات المثيرة للارتياع والخوف. والسبب الأكثر عمقا هو أن آفاق الأتمتة الحالية تبشر بمستقبل حيث تتمكن الآلات من الحلول محل البشر في العديد من مجالات العمل التي كان من المعتقد أن البشر فقط يمكنهم القيام بها.
كان أهل الاقتصاد يعتقدون دوما أن الموجات السابقة من تدمير الوظائف أدت إلى نوع من التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل على مستوى أعلى من تشغيل العمال والأرباح. ولكن إذا كان بوسع الروبوتات أن تحل فعليا محل البشر، لا أن تزيحهم فحسب، فمن الصعب أن نرى أي نقطة توازن إلى أن يصبح الجنس البشري ذاته زائدا عن الحاجة.
يرفض تقرير معهد ماكينزي العالمي هذا الاستنتاج الكئيب. ففي الأمد البعيد، يُصبِح بوسع الاقتصاد أن يتكيّف لتوفير العمل المرضي لكل من يريد عملا. «فعلى مستوى المجتمع ككل، من الممكن أن تتولى الآلات العمل الروتيني، أو الخطر، أو القذر، وربما تسمح لنا باستخدام مواهبنا البشرية بالفطرة بشكل أكثر اكتمالا والتمتع بالمزيد من أوقات الفراغ والترفيه».
وهذا أفضل سيناريو ممكن لعالم الأعمال. ولكن تظل بعض الثغرات الخطيرة تعيب هذه الحجة.
تتعلق الأولى بطول ونطاق العملية الانتقالية من الاقتصاد البشري إلى اقتصاد يعتمد على الأتمتة. وهنا، ربما يكون الماضي مرشدا أقل جدارة بالثقة مما نتصوّر، لأن تباطؤ وتيرة التغيّر التكنولوجي تعني أن الإحلال كان مواكبا لإزاحة الوظائف. واليوم ستكون عملية الإزاحة -وبالتالي تعطل النظام القائم- أسرع كثيرا؛ لأن وتيرة اختراع ونشر التكنولوجيات أصبحت أسرع كثيرا. يقول تقرير ماكينزي: «في الاقتصادات المتقدمة، تُفضي كل السيناريوهات إلى التشغيل الكامل للعمال بحلول العام 2030، ولكن العملية الانتقالية ربما تتخللها فترات من معدلات البطالة المرتفعة وتعديلات هابطة للأجور»، اعتمادا على سرعة التكيّف.
ويفرض هذا معضلة على صانعي السياسات. فكلما كان تقديم التكنولوجيات الجديدة أسرع، كلما التهمت عددا أكبر من الوظائف، ولكن كلما تحققت فوائدها الموعودة بسرعة أكبر. ويرفض تقرير معهد ماكينزي العالمي المحاولات الرامية إلى الحد من نطاق ووتيرة الأتمتة، والتي قد «تحد من المساهمات التي تقدمها هذه التكنولوجيات لتعزيز دينامية الأعمال والنمو الاقتصادي».
ونظرا لهذه الأولوية، فإن الاستجابة الرئيسية تتأتى تلقائيا: الاستثمار الضخم، على «نطاق خطة مارشال»، في التعليم وإعادة تدريب قوة العمل لضمان اكتساب البشر للمهارات الحرجة اللازمة لتمكينهم من التعامل مع العملية الانتقالية.
كما يدرك التقرير الحاجة إلى ضمان «ربط الأجور بارتفاع الإنتاجية، حتى يمكن تقاسم الرخاء بين الجميع». ولكنه يتجاهل حقيقة مفادها أن مكاسب الإنتاجية الأخيرة عادت الغالبية العظمى من فوائدها على أقلية صغيرة. وبالتالي، فإنه يولي قدرا ضئيلا من الاهتمام للكيفية التي يمكن بها جعل الاختيار الذي يَعِد به خبراء الاقتصاد بين العمل وأوقات الفراغ فعّالا للجميع.
أخيرا، هناك افتراض ينضح به التقرير مفاده أن الأتمتة ليست مرغوبة فحسب، بل ولا يمكن التراجع عنها. فبمجرد أن نتعلم كيف نقوم بشيء ما بشكل أكثر كفاءة (وبتكلفة أقل)، يُصبِح من المستحيل أن نعود إلى القيام به بشكل أقل كفاءة. السؤال الوحيد المتبقي هو كيف قد يتمكن البشر من التكيّف على أفضل نحو مع المتطلبات التي يفرضها المستوى الأعلى من الكفاءة؟
لا يخلو هذا السؤال من ارتباك من الناحية الفلسفية؛ لأنه يخلط بين القيام بشيء ما بشكل أكثر كفاءة والقيام به على نحو أفضل. كما يخلط بين الحجة الفنية والحجة الأخلاقية. ولكن بعيدا عن العالَم الذي يعدنا به رُسُل التكنولوجيا، من الممكن والضروري أن نتساءل: هل هذا أمر طيب؟
هل العالَم الذي يُحكَم علينا فيه بالدخول في سباق مع الآلات لإنتاج كميات متزايدة من السلع الاستهلاكية عالَم يستحق السعي إلى الحصول عليه؟ وإذا لم يكن بوسعنا أن نأمل في السيطرة على هذا العالم، فما القيمة التي قد تعود علينا من كوننا بشرا؟ ربما تكون مثل هذه التساؤلات خارج اختصاص الباحثين في ماكينزي، ولكن لا ينبغي لها أن تكون خارج نطاق المناقشة العامة.

عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد

السياسي الفخري في جامعة وارويك.