
علي بن راشد المطاعني
إرادة التغيير في أي جهة حكومية لا تحتاج إلا إلى تصميم وعزم من أعلى سلم وظيفي في هذه الجهة أو تلك ، وتحتاج إلى قرار يلتزم به الجميع في هذه الوزارة أو تلك ، بل تحتاج إلى ثقافة عمل مؤسسية تقنع بأنها تعمل من أجل ذاتها وعملائها ومراجعيها ، بل تستوجب توفر قناعات بأن ما تقوم به من أعمال هو من الواجبات المفروضة على كل موظف يتقاضى مرتبا شهريا نظير عمله.
وهذا ما حصل في وزارة البيئة والشؤون المناخية منذ عام 2012م، عندما عزمت على تغيير ثقافة العمل واختزال المعاملات والإجراءات واختصار الوقت لإنجاز العمل إلى نصف ساعة، وإلى شهر تقريبا لأصعب المشروعات التي تحتاج إلى موافقات بيئية، بل عملت على تغيير ثقافة العمل فيها، حيث كانت توصف بأنها عقبة في طريق الاستثمار وإنجاز المعاملات وعلامة في البيروقراطية، فإذا هي اليوم تعمل إلكترونيا بدون أن تجد مراجعا واحدا لها في صالاتها يتردد أو يقف انتظارا لدوره بين ردهات مكاتب المسؤولين للحصول على الموافقات.
فوزارة البيئة والشؤون المناخية تتطلع لأن تنجز معاملاتها فقط بإدخال رقم البطاقة الشخصية والعمل بالهاتف لإصدار موافقات ولا تحتاج أبدا للوصول شخصيا للوزارة.
لقد أسهمت هذه التجربة في اختصار 99 ترخيصا أو إجراء في ثلاثة تراخيص أو إجراءات فقط، وعدلت 14 لائحة تعني بالعمل البيئي في السلطنة وصولا لصيغة مثلى للاستثمار بدون عوائق بيروقراطية.
ومن الأمثلة في اختزال الإجراءات التي عملت عليها الوزارة التصريح البيئي المتكامل لقطاع النفط والغاز، الذي يعد من أهم التصاريح وأصعبها على الإطلاق، والذي يتطلب استخراج الموافقات النفطية مع مراعاة كل التأثيرات البيئية الجانبية لاستخراج النفط والغاز، ومثال ذلك التطور الذي جسدته الوزارة مع شركة تنمية نفط عمان تحديدًا، حيث تم اختصار ما يقارب من 300 تصريح وترخيص لـ9 تصاريح فقط دون المساس بمتطلبات حماية البيئة. فهذه التصاريح والتراخيص كانت تأخذ مدة زمنية طويلة جدا تصل إلى شهور وبعضها لسنة كاملة أو أكثر والآن الوزارة تصدرها خلال مدة زمنية لا تتجاوز 30 يوم عمل (المعدل الحالي بحسب مؤشرات استثمر بسهولة في حدود 6 أيام).
من الجوانب التي أحدثتها الوزارة تسهيل التصريح البيئي المبدئي والمؤقت والنهائي، حيث أصبح تصريحا واحدا صالحا لـ3 سنوات بدلا من السابق، فالتطوير المستمر أصبح منهجا ورسالة على ما يبدو تبذل الوزارة فيه قصارى جهدها لحماية البيئة وصون مواردها الطبيعية وتوفير «كل» الإمكانيات المتاحة لضمان تقديم الخدمات بجودة عالية للمتعاملين بمرونة ولكن بسهولة في الترخيص والإجراءات لدرجة قلبت الموازين في التعامل بحيث يمكن تجريب ما قامت به في الكثير من الوزارات، لذلك أصبحت مثالا يحتذى به.
فهذه التجربة الصامتة بمثابة رسالة لا تنقصها الفصاحة لرجال الأعمال ليغيروا من وجهة نظرهم السلبية عن العمل الحكومي، إلى مفهوم الثقة المطلقة فيه وفي كفاءته الإدارية والمعلوماتية والتكنولوجية.
وزارة البيئة والشؤون المناخية أضحت نموذجا في التغيير الإلكتروني والعمل المؤسس في الجودة في المعاملات وتتحدث عن القيمة المضافة لعمل الموظف والقسم والجهة والجدوى الاقتصادية بلغة الأرقام التي على ما يبدو أحدثت ثورة في بيرقراطية العمل الحكومي التقليدي.
أحد رجال الأعمال التقيت به صدفة بعد حضوري لقاء وزير البيئة والشؤون المناخية بالإعلاميين، وشرح الإجراءات في بعض المؤسسات الحكومية والموافقات التي تظل عشر سنوات في الأدراج، فسألته عن إجراءات وزارة البيئة والشؤون المناخية، فرد مباشرة بأنها الأفضل في السرعة في الإنجاز، بعدها أدركت بأنني من الذين ظلموا الوزارة ظنا بأنها ما زالت كما كانت عليه في الماضي، فلها العتبى حتى ترضى.
بالطبع الطريق للوصول إلى ما وصلت إليه هذه الوزارة ليس صعبا أو طويلا إذا توفرت الإرادة والعزم على التغيير والتطوير والتحسين مستفيدين من الأخطاء والعثرات ليستخلصوا منها العبر والدروس الكفيلة بتلافيها في مقبل الأيام.
نأمل أن تستفيد الجهات المعنية من تجربة هذه الوزارة والعمل على تطبيقها في الكثير من الوزارات التي تفرض إجراءات وممارسات إدارية تقليدية عفا عنها الزمن، وهذا ما استلهمناه من تجربة هذه الوزارة القدوة.