
علي ناجي الرعوي
على الرغم من تباين الأسباب والظروف والسياقات بين مختلف الظواهر الانفصالية التي طفت على السطح وترددت صرخاتها المدوية خلال السنوات الأخيرة في سماء مناطق ومدن عربية عديدة وصعوبة قراءة أبعاد هذه الظواهر ومدلولاتها وتداعياتها بمقاربة واحدة فالثابت أن العنصر المشترك بين كل النزعات الانفصالية سواء تدثرت بلبوس عرقية أو دينية أو قومية أو جهوية أنها جميعاً من تفضى في نهاية المطاف الى تمزيق دول وظهور أخرى منسلخة عن هوياتها التاريخية والحضارية.
وسط هذه المشهدية الاستثنائية لجهة ما تطرحه من تحديات سنجد من يقول: إن النزعات الانفصالية لم تعد حكراً على الدول العربية وإنما هي التي تتدحرج بين كل القارات من الكاميرون ونيجيريا بالقارة الأفريقية لتصل إلى قلب القارة الأوروبية وصولاً إلى ولايات الجنوب بالبرازيل في أمريكا الجنوبية ثم إلى كاليفورنيا بأمريكا الشمالية لكن يبقى الفارق هنا أن كل المحطات الانفصالية في الغرب غالباً ما يجرى التصدي لها بشتى الوسائل وآخر الأمثلة على ذلك تظهر في التعاطي الغربي الحاسم مع إعلان استقلال إقليم كتالونيا عن إسبانيا فيما يتم على العكس من ذلك تشجيع الحركات الانفصالية في المنطقة العربية وتحفيزها ومنحها الديمومة في ازدواجية تنم عن أن ما لا يقبل به الغرب لنفسه يتم فرضه على العرب عبر المراوغة والمناورة والإغواء.
قد لا نحتاج هنا لعبقرية فذة لنستحضر كيف تعامل العرب مع انفصال جنوب السودان وكيف تصرفوا أمام انسلاخ 600 ألف كيلو متر مربع من جغرافيتهم؟ فقد كان من الواضح تماما أن معظم الدول العربية بدت غير مكترثة أو غير مدركة لخطورة تلك الخطوة التي تكرس لنظرية التفتيت وإعادة تشكيل خارطة المنطقة بدليل أن هذا الموقف المتذبذب هو من تكرر أيضا تجاه استفتاء كردستان العراق على الاستقلال من الدولة المركزية في سبتمبر الفائت وحتى وإن لم يتحقق هذا الاستقلال حتى الآن فإن هذا الإقليم يتمتع بهامش واسع جداً من التحرك بدولة مستقلة لا ينقصها سواء الإعلان الرسمي عن نفسها، وقد يكون من اللافت حقا أن من أعاق هذا الإعلان هي دول إقليمية من غير عربية ترى في قيام دولة كردية في جوارها خطراً على مصالحها.
مخطط التقسيم الذي يتمدد في الجسد العربي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين يشق طريقه بسرعة متناهية في أكثر من بلد عربي لنكتشف أن ما كنا نظنه من نسج خيال العقليات التآمرية أصبح حقيقة واقعة نجد نموذجها الأوضح والأبرز ماثلا اليوم على أرض اليمن الذي يتقدم بفعل عوامل كثيرة نحو مشرحة التقسيم على مرأى ومسمع من كل العرب حيث وأن كل الاحتمالات تشي إلى أن هذا البلد وإن خرج من محنة الحرب فانه الذي سيخرج مفككا إلى عدة دويلات أقلها إلى شمال وجنوب.الحديث عن أن المجتمع الدولي قد أكد التزامه بوحدة اليمن وأن هذا الالتزام سيمثل عائقا أمام تمرير أي مشروع انفصالي هو حديث غير صحيح فالمجتمع الدولي كما هي عادته سيقفز على أي التزامات أخلاقية أو إنسانية طالما وأن مصالحه لن تتأثر في ظل تقسيم اليمن إلى دولتين أو أكثر كما أن صراع النفوذ الخارجي في الجنوب أو صراع القوى الداخلية فيما بينها لا يعني بالضرورة استحالة الاتفاق على إعلان الانفصال وتقسيم اليمن خصوصا بعد أن تم النأي بالجنوب عن المسار السياسي والعسكري للصراع القائم في عموم اليمن. مع بدء فوضى (الربيع العربي) تعرضت أكثر من دولة عربية لمخاطر التقسيم الواقعي والانهاك الداخلي فليبيا التي تتقاسمها قوات وتنظيمات متعددة ومتصادمة دموياً ولا توجد فيها حكومة مركزية قادرة على بسط نفوذها وإعادة اللحمة الجغرافية والإدارية والسياسية مرشحة لمخاطر التفتت والتمزق إلى أكثر من كيان ولا نغفل بالطبع الوضع في سوريا والذي تتنازعه اكثر من قوة من الأكراد المدعومين من واشنطن إلى المناطق الخاضعة للسيطرة التركية أو الإيرانية وهو ما يجعلها عرضة للانقسام الجغرافي أو القومي أو المذهبي ولا نعلم الى أين ستنتقل العدوى طالما استمرا الباب مفتوحاً على مصرعيه أمام تنامي النزعات الانفصالية لترسم خريطة التقسيم في الجسد العربي في ظل غياب أي حائط صد.
لذلك يجب أن يعلم العرب أن الوضع أخطر مما يتخيله البعض فالنزعات الانفصالية التي تتحرك هنا وهناك أصبحت بمثابة بركان يصدر حممه إلى كافة أرجاء الوطن العربي وأن ترك معقله في دولة عربية اليوم فانه سيعود إليها غداً ما دام العرب غافلون عما يعتمل في بلدانهم من الحرائق والتي لم يعد ينفع معها الحلول الترقيعية لإخماد السنة لهبها المستعرة تحت الرماد وليس أمام العرب في هذه الحالة سوى التحرك بجدية ووضع الحقائق في نصابها ليتسنى لهم مواجهة إعصار التفتيت والاستعداد لأسوأ الاحتمالات.
كاتب يمني