د. فيصل القاسم
كثيرون تساءلوا بكثير من الحيرة: كيف سمح العالم بتدمير سوريا وتشريد شعبها بالملايين دون أن يفعل العالم أي شيء حقيقي لوقف الكارثة؟ كيف لهذا العالم المنافق أن يقبل بتدمير بلد وتهجير شعب وهو يتفرج؟ أخيراً اكتشفنا أن الأمر ليس عابراً، بل مخطط مطلوب على ما يبدو وهو تغيير خارطة سوريا السكانية لأغراض خارجية.
قبل أكثر من ثلاث سنوات تقريباً وقبل أن يتضح مخطط التهجير المنظم للسوريين من بلدهم، قال لي أحد الباحثين السوريين المرموقين إننا مقبلون على ما أسماه بهندسة سكانية ديمغرافية مبرمجة تشارك فيها أطراف كثيرة داخلية وخارجية لإفراغ سوريا من سكانها إعادة رسم الخارطة السكانية في سوريا خدمة لمصالح داخلية وخارجية متشابكة. لكن بصراحة ظننت وقتها أن الأخ جورج يهرف بما لا يعرف، أو أنه غارق حتى أذنيه في نظرية المؤامرة، إلا أن الأيام أثبتت أن ما قاله جورج قبل أكثر من ثلاث سنوات أصبح حقيقة تفقأ العيون بشهادة السوريين أنفسهم.
لم نعد بحاجة لبراهين وأدلة كثيرة كي نتأكد من أن جهات عديدة تعمل معاً على تهجير السوريين من بلدهم بتواطؤ لا تخطئه عين. لقد كان أول تلميح صريح للقصة على شخصيات سورية قالت صراحة: إن سوريا ليست لمن يحمل جنسيتها بل لمن يدافع عنها. وبما أن ملايين السوريين نزحوا داخلياً أو لجأوا إلى الخارج، فهذا يعني أنه لم يعد لهم مكان في سوريا، وبما أنهم تركوا سوريا للحفاظ على حياتهم، فقد أصبحوا غير مرغوب بهم الآن في سوريا، وصارت بيوتهم وأملاكهم حلالاً زلالاً على غيرهم.
ولمن ظن أن التصريحات القديمة بأن سوريا لمن يدافع عنها كانت عابرة فهو مخطئ، فقد تحدث مسؤولون لاحقاً عن أن سوريا غدت أكثر صفاء، وهم يقصدون أن سوريا أصبحت أفضل بعد تهجير نصف سكانها. وهو المطلوب على ما يبدو. ثم وضع آخرون النقاط على الحروف دون أن يرمش لهم جفن عندما قالوا إننا ربحنا من الحرب في سوريا مجتمعاً متجانساً، وهم يقصدون بذلك أنهم يريدون لسوريا الجديدة أن تكون من ذات طبيعة ديمغرافية محددة، وليذهب نصف الشعب السوري من اللاجئين والنازحين إلى الجحيم.
ولم يتأخر البعض في التأكيد حرفياً وبلغة ليس فيها أي لبس بأنه غير مرحب بعودة أي لاجئ سوري، وإذا عاد ربما يتعرض للانتقام. وقد لاقت تلك التصريحات جدلاً كبيراً عندما هدد بعضهم ملايين اللاجئين بالقتل إذا فكروا بالعودة إلى سوريا، وبأنهم سيحاسبون اللاجئين حتى لو قبلت الدولة بعودتهم. ولو لم يكن لدى هؤلاء الضوء الأخضر لما قالوا ما قالوه بشكل صارخ. وحتى عندما تراجعوا عن تصريحهم لاحقاً، فإن السوريين جميعاً باتوا يعرفون أن التوجه العام يلمح إلى رفض عودة اللاجئين السوريين كما رفضت إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينين.
والغريب في الأمر أن التصريحات الداخلية تتلاقى بطريقة عجيبة مع تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما طلب من الدول التي تستضيف ملايين اللاجئين السوريين بأن تقوم بتوطينهم، مما يعني أن عملية تهجيرهم من سوريا كانت منظمة وممنهجة لتفريغ سوريا من سكانها. هل يعقل أن يدعو الرئيس الأمريكي إلى توطين حوالي عشرة ملايين سوري في البلدان المجاورة وأوروبا؟ واضح تماماً أن دعوته الأخيرة ليست دعوة عابرة، بل تأتي تنفيذاً لمخطط التهجير المنظم الذي تم تنفيذه بحق السوريين على مدى سبع سنوات؟ لقد كانت التصريحات الداخلية القديمة على ما يبدو مقدمة لتصريح ترمب الأخير بضرورة توطين نصف السوريين خارج بلادهم لأهداف بدأت تتكشف شيئاً فشيئاً.
إعلامي في قناة الجزيرة