
لميس ضيف
وقعت في العاصمة الكويتية حادثة مؤسفة بحق؛ راحت ضحيتها خادمة إندونيسية لقيت حتفها غرقا بعد أن ألقت بنفسها في حوض السباحة محاولة إنقاذ حياة ابن مخدومتها الصغير. ورغم أنها لا تجيد السباحة إلا أنها لم تتمالك نفسها وهي ترى الطفل يصارع الموت فسارعت لنجدته ورفعته على رأسها فنجا الطفل، وماتت الخادمة.
أنا على ثقة بأن العائلة الكويتية لن تتخلى -ماديا على الأقل- عن أبناء الفقيدة، ولكن.. هل هناك مبلغٌ من المال يُغني الأطفال عن أمهم أو الزوج عن زوجته أو الإخوة عن أختهم؟ لا أظن أن مصارف العالم تملك ما يكفي من المال لشراء مكان روح عزيزة رحلت دون وداع لائق. فكرت وأنا أقرأ الخبر أن إعلامنا غريب الأطوار والمقاربات. فخبر مثل هذا لم يُنشر إلا عبوراً. أما عشرات الأخبار التي تخوف وتشيطن وتحذر من جرائم الخادمات وعاملات المنازل فيتم تداولها مرارا وتكرارا في كل المطبوعات ووسائل التواصل وعلى رأسها الواتساب. ولكننا لا نجد ذكرا لآلاف الوافدات اللاتي دخلن منازلنا في الخليج واعتنين بها وكأنهن من أهلها. ولا نذكر قوافل المربيات اللاتي اعتنين بأطفالنا وأعطين فسحة للأمهات للعمل، ولتلبية الواجبات الاجتماعية، وأعطين الأطفال عناية فاقت -أحياناً- ما يحصلون عليه من الأم نفسها.
إن ثقافتنا اليوم صارت جنائزية، فنبحث عن جنازة لنشبع بها لطما. وهي ثقافة تنميطية أيضا، تعسعس لتجد نمطاً في سلوك كل جنسية؛ وتكفي أن تجود عليك تجارب الآخرين بواقعتين أو ثلاث لتبث نمطاً مخيفا لكل جنسية وديانة. فهؤلاء يعملون في السحر الأسود. وهذه الجنسية خفيفة اليد ممتهنة للسرقة، وهؤلاء «وسخات» وأولئك «منحرفات»، وهكذا نصنف الناس ونعاملهم وفقا لقوالب ضعيفة السند والدليل.. وكثيرات ظلمن وأسيئت معاملتهن بسبب تلك الصور المشينة التي خلقها الوعي الجمعي.
خبر كخبر ذاك الابن من باكستان الذي وفر لـ40 عاما ليحج والده لا يلفتنا ولا يرسخ في أذهاننا بقدر خبر يأتي من الدولة ذاتها لاغتصاب طفلة..
لم نعد نشعر أن الدنيا بخير.. وصرنا أسرى قفص الهواجس والمخاوف التي ننفخ -وآخرين- فيها لتتحول لمحرقة كبيرة تحرق إحساسنا بإنسانية العالم وصلاحيته للحياة الآدمية. وربما يكون الإعلام اللاعب الأكبر في هذه الجريمة، ولكننا كمستقبلين أيضا لا نقل جُرما، لأننا نتلقف كل ما هو سيئ ونعممه ونغض الطرف عن كل ما هو جميل ونخصصه.