الحرب المقبلة في الشرق الأوسط

مقالات رأي و تحليلات الأحد ٣٠/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:١٧ ص
الحرب المقبلة في الشرق الأوسط

يوشكا فيشر

مع استعادة الموصل في شمال العراق، ربما تُصبِح (داعش) قريباً شيئاً من الماضي. لكن هزيمة داعش وزوال الخلافة العراقية السورية المزعومة لن يجلب السلام إلى الشرق الأوسط، ولن يُفضي حتى إلى نهاية المأساة السورية. بل من المرجح أن يفتح فصلاً جديداً في تاريخ المنطقة الدموي الفوضوي -فصلاً لا يقل خطورة عن الفصول السابقة منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى.

ويكاد يكون استمرار هذا النمط العنيف أمراً شبه مؤكد لأن المنطقة تظل غير قادرة على حل الصراعات الداخلية بنفسها، أو إيجاد أي شيء أشبه بإطار مرن للسلام. وما تزال بدلاً من ذلك محصورة في مكان ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين.

لا نُعفي القوى الغربية عن المسؤولية عن مِحَن الشرق الأوسط. وما تزال أي إشارة إلى اتفاقية سايكس-بيكو، التي قسّمت بموجبها بريطانيا العظمى وفرنسا أراضي ما بعد الإمبراطورية العثمانية، تستفز الغضب في العالَم العربي حتى يبدو الأمر وكأن الخطة التي وضعت سراً في العام 1916 لم تُبرَم إلا بالأمس فقط.
ولا ينبغي لنا أن ننسى الدور الذي لعبته روسيا القيصرية في المنطقة. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدأ خَلَفُها الاتحاد السوفييتي، ومنافسته في الحرب الباردة الولايات المتحدة، تدخلاتهما المتعددة.
الواقع أن الولايات المتحدة ربما تكون المساهم الأكثر أهمية في الاضطرابات الإقليمية اليوم. كان اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط قائماً في الأصل على احتياجها إلى النفط. ولكن مع اندلاع الحرب الباردة، سرعان ما تحوّل الاهتمام الاقتصادي إلى مصلحة استراتيجية في منع ظهور حكومات مناهضة للغرب وموالية للاتحاد السوفييتي. ثُم أكملت أمريكا جهودها الرامية إلى الحفاظ على نفوذها الحاسم في المنطقة من خلال شراكتها الأمنية الوثيقة مع إسرائيل، وأخيراً من خلال التدخلين العسكريين الكبيرين المتمثلين في حربي الخليج ضد العراق في عهد صدّام حسين.
كما انهار تماماً نجاح حرب الخليج الأولى التي شنها في العام 1991 الرئيس جورج بوش الأب بعد 12 عاماً على يد ولده جورج دبليو بوش، الذي أحدثت حرب الخليج التي شنها كارثة إقليمية مستمرة إلى يومنا هذا. وفي حين كان بوش الأب حريصاً على ملاحقة الهدف المحدود المتمثل في تحرير الكويت ولم يسعَ إلى تغيير النظام في العراق، فإن أهداف ولده كانت أكثر طموحاً بأشواط.
كانت الفكرة ببساطة الإطاحة بصدّام حسين وإقامة عراق ديمقراطي يعمل على تحفيز تغيير شامل في مختلف أنحاء الشرق الأوسط ويحوّله إلى منطقة ديمقراطية موالية للغرب. وداخل إدارة بوش الابن، كانت المثالية الإمبريالية طاغية على الواقعية العملية، الأمر الذي أفضى إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط ككل وساعد في وضع إيران في وضع سمح لها بتوسيع نفوذها.
بعد زوال داعش، سيتحدد الفصل التالي في تاريخ الشرق الأوسط من خلال مواجهة مفتوحة مباشرة بين السعودية وإيران على الهيمنة الإقليمية. وحتى الآن، كان هذا الصراع الذي اختمر لفترة طويلة جارياً من وراء حجاب وبواسطة وكلاء في الأغلب. ومن الواضح أن كلاً من القوتين العالميتين النشيطتين في المنطقة اتخذت موضعها في الصراع، مع انحياز الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية وانحياز روسيا مع إيران.
وسيحل هذا الصراع على الهيمنة محل «الحرب على الإرهاب» الحالية على نحو متزايد. وفي منطقة تشهد خلافات إقليمية، فقد بلغ هذا الصراع نقطة التحوّل المحتملة الأولى في قلب المنطقة.
وستؤدي أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران بطبيعة الحال إلى نشوب النيران في المنطقة بالكامل، على نحو يتجاوز بأشواط كل حروب الشرق الأوسط الفائتة. وعلاوة على ذلك، مع استمرار الحرائق في سوريا، وإضعاف العراق بفِعل الصراع الطائفي على السلطة هناك. فمن المرجح أن يظل تنظيم داعش أو أي خلف له يتجسّد في هيئته ناشطاً.
ويتمثل عامل آخر مزعزع للاستقرار في إعادة فتح «القضية الكردية». فقد أثبت الأكراد -شعب بلا دولة- أنهم مقاتلون جديرون بالثقة ضد داعش ويريدون استخدام نفوذهم السياسي والعسكري الجديد لإحراز تقدم نحو الحكم الذاتي، أو حتى الدولة المستقلة. ومن منظور الدول المتضررة -في المقام الأول تركيا، ولكن أيضاً سوريا والعراق وإيران- تُعَد هذه المسألة سبباً محتملاً للحرب؛ لأنها تؤثر على سلامتها الإقليمية.
نظراً لهذه المسائل غير المحلولة وتصعيد الصراع على الهيمنة بين إيران والسعودية، يَعِد الفصل التالي في تاريخ المنطقة بأن يكون غير سلمي على الإطلاق. صحيح أن الولايات المتحدة ربما تعلّمت من كارثة العراق إلا أنها لا تستطيع الفوز في حرب برية في الشرق الأوسط، رغم قوتها العسكرية المتفوقة. كما سعى الرئيس باراك أوباما إلى سحب القوات الأمريكية من المنطقة، ثم تبيّن أن تحقيق ذلك أمر صعب سياسياً وعسكرياً. ولهذا السبب استبعد التدخل العسكري -حتى من الجو- في الحرب الأهلية السورية، فخلّف ذلك فراغاً سرعان ما شغلته روسيا، وكان ما كان من عواقب معروفة.
كما أقام خلف أوباما، الرئيس دونالد ترامب، حملته الانتخابية على وعد بالانسحاب من المنطقة. ولكنه منذ الانتخابات، أطلق صواريخ كروز على سوريا، ودخل في التزامات أكثر شمولاً تجاه المملكة العربية السعودية وحلفائها، وعمد إلى تصعيد الخطاب الأمريكي الصدامي تجاه إيران.
من الواضح أن ترامب يواجه منحنى تعلم حاداً عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط -المنطقة التي لن تنتظره إلى أن يتقن التعامل معها. وليس هناك من الأسباب ما يدعو إلى التفاؤل.

وزير خارجية ألمانيا الأسبق