الجديد في السياسة النقدية

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٢٦/يوليو/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
الجديد في السياسة النقدية

نورييل روبيني

بدأت الأسواق المالية تفقد أعصابها إزاء تراجع السياسات النقدية غير التقليدية في العديد من الاقتصادات المتقدمة. وقريبا، سوف يكون بنك اليابان والبنك الوطني السويسري البنكين المركزيين الوحيدين اللذين لا زالا يبقيان على سياسات نقدية غير تقليدية في الأمد البعيد. فقد بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ينهي تدريجيا برنامج شراء الأصول (التيسير الكمي) في عام 2014، ثم بدأ تطبيع أسعار الفائدة في أواخر عام 2015. والآن بدأ البنك المركزي الأوروبي ينظر في السرعة الواجبة للخفض التدريجي لسياسة التيسير الكمي في عام 2018، ومتى يبدأ التراجع التدريجي عن أسعار الفائدة السلبية أيضا. وعلى نحو مماثل، أنهى بنك إنجلترا آخر جولات التيسير الكمي ــ التي أطلقها بعد الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو ــ وينظر الآن في رفع أسعار الفائدة. كما أشار كل من بنك كندا وبنك الاحتياطي في أستراليا إلى أن رفع أسعار الفائدة قادم قريبا.
ومع ذلك، سوف تضطر كل هذه البنوك المركزية إلى إعادة تقديم السياسات النقدية غير التقليدية إذا حدثت أزمة ركود أو أزمة مالية أخرى. ولنتأمل هنا موقف بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يتمتع بوضع أقوى من غيره من البنوك المركزية للخروج من السياسات النقدية غير التقليدية. فحتى إذا نجحت سياسة تطبيع أسعار الفائدة في إعادة أسعار الفائدة إلى مستوى التوازن، فإن هذا المستوى لن يكون أعلى من 3%.ويجدر بنا أن نتذكر أن معدل التوازن في دورتي بنك الاحتياطي الفيدرالي السابقتين من إحكام القواعد التنظيمية كان 6.5% و5.25% على التوالي. وعندما اندلعت الأزمة المالية العالمية ثم تلاها الركود في الفترة 2007-2009، خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرسمي من 5.25% إلى صِفر في المائة. ولأن ذلك لم يكن كافيا لتعزيز الاقتصاد، بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي يلاحق سياسات نقدية غير تقليدية، بإطلاق برنامج التيسير الكمي للمرة الأولى.
وكما أظهرت دورات السياسة النقدية القليلة الماضية، فحتى لو تمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي من إعادة معدل التوازن إلى 3% قبل حدوث الركود القادم، فلن يتاح له رغم ذلك الحيز الكافي للمناورة بفعالية. وسوف يتجه خفض أسعار الفائدة نحو حد الصِفر الأدنى قبل أن يخلف ذلك أي تأثير يُذكَر على الاقتصاد. وعندما يحدث هذا، فسوف يُترَك بنك الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية الكبرى أمام أربعة خيارات فقط، وكل منها ينطوي على تكاليف وفوائد.
فأولا، بوسع البنوك المركزية أن تستعيد سياسات التخفيف الكمي أو الائتماني، من خلال شراء السندات الحكومية الطويلة الأجل أو الأصول الخاصة لزيادة السيولة وتشجيع الإقراض. ولكن مع توسع الميزانيات العمومية للبنوك المركزية بشكل كبير، من الصعب أن نعتبر التيسير الكمي بلا تكلفة أو خاليا من المخاطر.
وثانيا، تستطيع البنوك المركزية أن تعود إلى أسعار الفائدة السلبية، كما فعل البنك المركزي الأوروبي، وبنك اليابان، والبنك الوطني السويسري وبعض البنوك المركزية الأخرى، بالإضافة إلى التيسير الكمي والائتماني، في السنوات الأخيرة. ولكن أسعار الفائدة السلبية تفرض تكاليف على المدخرين والبنوك، والتي يجري تمريرها إلى العملاء.
ثالثا، تستطيع البنوك المركزية أن تغير معدل التضخم المستهدف من 2% إلى 4% على سبيل المثال. والآن يستكشف بنك الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية هذا الخيار بشكل غير رسمي، لأنه قد يزيد سعر الفائدة المتوازنة إلى 5% أو 6%، ويخفض خطر بلوغ حد الصِفر الأدنى في جولة أخرى من الركود.
غير أن هذا الخيار مثير للجدال لبضعة أسباب. فالبنوك المركزية تناضل بالفعل لتحقيق معدل التضخم 2%. ولتحقيق هدف التضخم بنسبة 4%، ربما تضطر إلى تنفيذ المزيد من السياسات النقدية غير التقليدية على مدار فترة زمنية أطول. وعلاوة على ذلك، لا ينبغي للبنوك المركزية أن تفترض أن تعديل توقعات التضخم من 2% إلى 4% قد يجري بسلاسة. فعندما سُمِح للتضخم بالانجراف من 2% إلى 4% في سبعينيات القرن العشرين، أصبحت توقعات التضخم غير مستقرة بالكامل، وتجاوز نمو الأسعار 4% بأشواط.
أما الخيار الرابع المتاح للبنوك المركزية فيتلخص في خفض هدف التضخم من 2% إلى صفر في المائة على سبيل المثال، كما نصح بنك التسويات الدولية. ذلك أن هدف التضخم الأقل من شأنه أن يخفف من الاحتياج إلى سياسات غير تقليدية عندما تقترب أسعار الفائدة من صِفر في المائة ويظل التضخم أقل من 2%..
الرئيس التنفيذي لمؤسسة روبيني ماكرو أسوشيتس، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك.