
أندرو كين
في الوقت الذي بدأت فيه الروبوتات تستولي على المزيد من وظائفنا، وتتصاعد المخاوف من أن يتحول الواقع الافتراضي إلى «مخدّر عالمي» للبشر، يتوجب على السياسيين تحسين سياساتهم بشكلٍ عاجل. هذه وجهة نظر أندرو كين ويشرح فيما يلي كلفة «القلق من الذكاء الاصطناعي» في مقابلة مع بين فلاناغان.
«عصر القلق» يحدق بنا! وهو عصر تهددنا فيه الروبوتات القائمة على الذكاء الاصطناعي بحرماننا من وظائفنا، وعصر يبدو فيه البشر الذين يزدادون كسلًا وقد انسحبوا إلى عوالم الواقع الافتراضي. فمن أين يأتي خلاصنا؟ على الحكومات وليس «جوجل» أن تتدخل.
هذا هو رأي أندرو كين، أحد أشهر المعلقين على الثورة الرقمية في العالم وأكثرهم إثارةً للجدل، وقد ألّف ثلاثة كتب من ضمنها كتاب «الإنترنت ليس الحل».
ويحذر كين من ارتفاع احتمال نشوب الاضطرابات الاجتماعية مع استمرار استبدال الآلات الذكية للبشر في وظائفهم، بدءا بخدمات دعم التعليم القائمة على الذكاء الاصطناعي وحتى سيارات «أوبر» المستقبلية ذاتية القيادة.
ويشرح كين فيما يلي كيف يتوجب على الحكومات الاستجابة إلى مجتمع في طور التغيّر، وربما إلى مجتمع يزداد كسلًا.
بحسب دراسة أجراها باحثون في جامعة أكسفورد، من المحتمل أن تتم حوسبة 47 في المئة من كل الوظائف في الولايات المتحدة. هل هذا الأمر مرجّح حقًا؟
هذا الاحتمال واقعي فعلًا، سواء كانت النسبة 40 أو 45 أو 50 في المئة. وسيصبح المزيد والمزيد من المهن فائضًا عن الحاجة. فعلى سبيل المثال، مع ارتفاع عدد السيارات ذاتية القيادة لن تكون ثمة حاجة إلى مهنة سائقي السيارات. وماذا سيحل بالمدرسين عندما يصبح التعليم مجانيًا ويمتلك كل واحد منا روبوتًا قائمًا على الذكاء الاصطناعي يعطينا تجربة تعليم مخصصة لنا؟ بالطبع لا غنى عن الناس الذين سيعملون في شركات التعليم هذه لكن سيفقد أغلب المدرسين وظائفهم. لذلك، على الحكومات مواجهة هذا الخطر لأن دور الحكومة هو حماية الشعب.
هل سيتحول العــرق البشــري إلى عرق كســـول؟ يقضون وقتهم أمام التلفاز؟
قد لا تكون مصادفة أنه في الوقت الذي تزداد إمكانية الاستغناء عن الوظائف وتتقلص نسبة العمل الكافي لنا، نقوم بتطوير تكنولوجيا الواقع الافتراضي التي تسمح لنا بالعيش في عالم آخر. وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة فلسفية: هل هذا ما نريده لأطفالنا فعلًا؟ هل نريدهم أن يعيشوا في عوالم افتراضية وأن يجوبوا في الواقع المضخّم (عدم القدرة على التمييز بين الواقع ومحاكاة الواقع)؟ وبغض الطرف عن المشكلة الاقتصادية المتمثلة في: من سيصنع القيمة وكيف سنكسب رزقنا ونكسي أنفسنا؟ ثمة هنا سؤال وجودي: ماذا سيعني وجودنا كبشر. وهل يضفي العمل علينا نوعًا من الإنسانية؟
أخشى أن يصبح الواقع الافتراضي بمثابة مخدّر عالمي يبدو وكأنه يحلّ مشكلة عدم إلزامية العمل. إلا أنّ هذا المخدر سيؤدي بدوره إلى عواقب وخيمة. وفي حال وصلنا إلى أسوأ سيناريو حيث تحكمنا الآلات وتستعبدنا، فسنكون عندها قد تحولنا إلى عرق ضعيف جدًا لأننا سنعيش جميعًا في ذاك العالم من الواقع الافتراضي. ولا أدعو هنا الحكومات إلى حظر الواقع الافتراضي لأن ذلك يجافي المنطق، لكن ربما علينا التقليص من درجة تغلغله. ولا يمكننا أن نعتمد في ذلك على أولياء الأمور أو المدرسين أو شركات التكنولوجيا وحسب. يشكل هؤلاء جزءًا من الحل بالطبع لكن على الحكومات أن تؤدي دورًا في هذا الحل أيضًا وإلا لن يوجد نفع للحكومات!
يرى الكثيرون أنه لا غنى عن الوظائف التي تتطلب الابتكار البشري كالمصممين والفلاسفة مثلًا. ولكن إذا تقدم الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة جدًا، ألن يفقد هؤلاء أيضًا وظائفهم؟
لا أرى أن الوضع سيكون مأساويًا إلى هذا الحد. سيلعب المبتكرون دورًا في المستقبل لكن مشكلة الثورة التكنولوجية الرقمية التي نشهدها منذ 25 عامًا هي أنها وعدت بإمكانية تحول أي شخص إلى مبتكر أو إلى كاتب مدونة أو إلى مساهم بتحميل محتوى الموسيقى أو الأفلام على يوتيوب. وهذا بالفعل ما يفعله الجميع، لكن لا يتمتع الكل بما يكفي من المواهب وبالتالي لا يصل الجميع إلى مستوى من النجاح يكفل لهم كسب المال. بل ما نشهده الآن هو بروز اقتصاد الطفرات، اقتصاد يوجد ثقافة تعزز من عدم المساواة الجامحة في العالم؛ فنجد من جهة مجموعة صغيرة من النجوم اللامعين العالميين ومن جهة أخرى بقية الناس. الأزمة الفعلية هي اختفاء «الوسط»، أي المهندس متوسط المهارات والمسؤول الحكومي العادي، فهؤلاء سيفقدون وظائفهم شيئًا فشيئًا. وهذه أيضًا مسألة على الحكومات معالجتها.
لكن إن كنا جميعنا قد فقدنا الثقة بالحكومات في حين أنه يتوجب على الحكومات قيادتنا في غمار ثورة الروبوتات القائمة على الذكاء الاصطناعي، فإننا نواجه مشكلة كبيرة أليس كذلك؟
نعم، إننا في وضع لا نحسد عليه. ما نحتاجه هو أن تعيد الحكومات ابتكار أنفسها، ولا أعني هنا «الحكومات الذكية» أو التصويت على الإنترنت، فهذه التغييرات ليست كافية وهي سطحية ليس إلا. ربما نحتاج إلى نوع جديد من الساسة الذين ينتهجون سياسة الصدق والتعاطي مع الناس عن كثب. غير أن المشكلة هنا مجددًا هي صعود أمثال ترامب، أي نجوم الواقع الافتراضي.
والحل معقّد أيضًا، سيما أن الأحزاب السياسية التي سيطرت على العالم على مدى القرن الماضي – الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة والمحافظين والاشتراكيين في المملكة المتحدة مثلًا – هي منظمات وأحزاب خرجت من رحم الثورة الصناعية مثَّل أحدها طبقة العمال في حين مثل الآخر طبقة المهنيين. غير أن الطبقة العاملة شبه معدومة في عالمنا اليوم وطبقة المهنيين مهددة.
لا أنذر بمستقبل مشؤوم ولا أقول أن العالم يوشك أن يتداعى لكنني أسلّط الضوء وحسب على عالمٍ يسير في الاتجاه الخاطئ بطرق عدة. وإن كنا نريد إصلاح الأمور فعلًا، علينا التصرف عوضًا عن الاعتماد على التكنولوجيا، وهذه العملية بحاجة إلى إطار وسياق سياسي. لا يستطيع أمثال «جوجل» تدبير شؤون هذا العالم.
مؤلف وأشهر المعلقين على الثورة الرقمية في العالم