فنون تُخفف من معاناة اللاجئين

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ٠٩/يناير/٢٠١٧ ٠٤:٠٥ ص
فنون تُخفف من معاناة اللاجئين

باميلا كسرواني

4810710، هذا هو عدد اللاجئين السوريين المسجلين من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة الموزعين بين لبنان ومصر والأردن والعراق وتركيا، عدد يتزايد يوماً بعد يوم ولا يشمل اللاجئين غير المسجلين من قبل الحكومات والمنظمات الدولية ويُضاف إليه أكثر من مليون شخص آخر من طالبي اللجوء السياسي في دول أوروبية أخرى.

هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري، من الصغار والكبار، سواء كانوا في الداخل أم الخارج، لا تُعد المشاكل ولا تُحصى بدءاً من الدمار وغياب الخدمات الطبية وصولاً إلى اللجوء والعيش في مخيمات، والبرد، وانعدام العمل، والصدمات والمشاكل النفسية.
مشاكل نفسية وصدمات قد لا يأخذها كثيرون في الحسبان عندما تكون الحاجة إلى الأساسيات هي الأولويات إلا أن معالجتها، بمختلف الطرق، ضرورة من أجل التخفيف عن مآسي الحاضــر والتمهيد بشـــكل أفضل للمستقبل.
ومع تزايد عدد اللاجئين السوريين في العالم، تبدو الحاجة مُلحة إلى اعتماد برامج ومبادرات تعتمد على الإبداع لتُمكّنهم من تعزيز قنوات جديدة لأصواتهم، سواء من خلال التصوير، الرسم، المسرح حيث يظهر الفن كمنبر من أجل رفع مستويات الوعي وتشجيع اللاجئين على تحقيق قدراتهم والتأقلم مع أوضاعهم لاسيما أن ممارستهم لأي شكل من أشكال الفنون غالباً ما يلعب دوراً إيجابياً في قدرتهم على البقاء، سواء جسدياً، معنوياً، وحتى روحياً.
كيف تساعد الفنون اللاجئين السوريين اليوم؟ لا شك أنها ليست الحل السحري لكل المشاكل إلا أنها جزءٌ من الحل. كثيرة هي المبادرات التي ظهرت في السنوات الأخيرة في مختلف الدول التي تستقبل اللاجئين من أجل التخفيف عن كاهلهم، مبادرات غالباً ما تستهدف الأطفال والمراهقين، الضحايا الأكبر في هذا النزاع. لن نتمكن من الحديث عن كل هذه المبادرات الفنية التي تعمل في غالب الأمر داخل المخيمات إلا أننا اخترنا اثنين منها علّها تُعطي فكرة، ولو صغيرة، عن الجهود الإبداعية المبذولة.

«مشروع الزعتري» يُحوّل جدران

المخيم إلى لوحات فنية

«تحتاج الجدارية الفنية حوالي الأسبوع من العمل ولذلك، يختلف كل يوم عن الآخر خلال مشروعنا. فغالباً ما يكون اليوم الأول تمهيدي لنتعرف على الفريق ونتناقش حول ما نريد رسمه ونعطي الفرصة للأطفال والمراهقين في رسم بعض النماذج. وفي الأيام التالية، نمضي الوقت في رسم الجدارية ونتحدث عن أحلام الأطفال في المستقبل التي تنعكس على جدران المخيم وغالباً ما تكون أموراً يفتقدونها من سوريا. نحاول أن نجد معهم طرقاً للتطلع إلى المستقبل.
وعندما ننهي اللوحة الفنية، نُنظم احتفالاً صغيراً نجمع فيه الجميع ونعطي الكلمة للأطفال والمراهقين للتحدث عن تجربتهم»، بهذه الكلمات اختصر جويل برينيه هذا المشروع للرسوم الجدارية في مخيم الزعتري في شرق العاصمة الأردنية عمَّان.
بيرنيه وهو فنان متخصص بالفنون الجدارية طالما انخرط في العمل الاجتماعي مع الأفراد الذين يعانون من صعوبات كاليتامى والسجناء وشباب الشوارع واللاجئين في الشرق الأوسط وأوروبا ومناطق أخرى من العالم كما أنه المؤسس الشريك لمنظمة «أرتولوشيون» Artolution لتصميم مشاريع إبداعية مستدامة من خلال العمل مع فنانين ومربين محليين.
وعن «مشروع الزعتري»، يخبرنا «أعمل في هذا المجال منذ 8 سنوات وشاركت في العديد من المشاريع، آخرها هذا المشروع مع اللاجئين السوريين بالشراكة مع اليونيسف ومرسي كوربس، وأبت أرت، وأكتيد». ويضيف «هذه المنظمات الإنسانية تقوم بالكثير من الأعمال الجيدة. فوفّرت مثلاً للأفراد الذين يعيشون في مخيم الزعتري سقفاً ورعاية صحية وطعاماً إلا أن كل المشاكل لا يتمّ حلّها بمجرد تأمين الأساسيات. كثيرون في المخيم يعانون من صدمات كبيرة وتحديداً الشباب الذين عاشوا التهجير ولا يرتادون المدرسة ويواجهون مشاكل نفسية. وبالتالي، نحتاج إلى برامج تعليمية وإبداعية في المخيمات وفي المجتمعات التي تســتقبل اللاجئين». ويتابع «بما أنني فنان ألجأ إلى الجداريات الجميلة من أجل بعث الحياة في المخيم وهي تُشكل أداة نستخدمها من أجل العمل مع الشباب والتواصل معهم من خلال العملية الفنية».
ويشرح أن «مشروع الزعتري» كان ممكناً بفضل مشاركة العديد من الفنانين لاسيما الفنانين الأردنيين والسوريين منذ انطلاقه عام 2013 أمثال الفنانة الفلسطينية-الأردنية يسرى علي التي تعيش بالقرب من المخيم والتي سخّرت في المشروع حبها للفن والأطفال والفنان السوري علي كيوان المقيم في المخيم والذي علّم برينيه الزخرفة العربية التي استخدمت على جدران المخيم.

«الكرفانة» مسرح متنقل في المدن اللبنانية

ومن الرسم على الجدران في الأردن ننتقل مع سابين شقير إلى مسرح الشارع ومشروع «الكرفانة» التي تتنقل بين مختلف المناطق اللبنانية لتقدم المسرحيات وتسجيلات صوتية لحكايات السوريين الشخصية.
فشقير التي جمعت بين دراستها للمسرح والعلاج الاجتماعي طالما اهتمت بالعمل الاجتماعي مع اللاجئين الفلسطينيين والعراقيين والمجتمعات الأقل حظاً في الهند والبرازيل والمكسيك واعتبرت أن «الحكاية مهمة جداً في الحياة وتقرّبنا من بعضـــنا البعض لاسيما الحكايات الشخصية».
وانطلاقاً من اهتمامها بالحكايات الشخصية ولدت فكرة الكرفانة. وهنا تخبرنا «في بداية 2016، كنت أفكر بإطلاق مشروع في الشارع يتعلق بالحكاية الشخصية وكنت أريد أن يُخبر الناس حكاياتهم بأصواتهم. بدأت تتبلور الفكرة شيئاً فشيئاً. فمن إجراء الأبحاث إلى لقاء الناس ليخبروني حكاياتهم وصلنا إلى فكرة الكرفانة والمسرحية لنتنقّل بها في المناطق».
وبالطبع اسم المشروع ليس من باب الصدفة، بحسب شقير التي تقول «الكرفانة هي وسيلة نقل اعتمدناها وهي خشبة مسرحنا أيضاً. هي تُشبه عملية رحيل شخص من مكان إلى آخر». وتشير إلى أن «الكرفانة» مبادرة من «بيروت دي سي» وهي منظمة تدعم صناعة الأفلام العربية المستقلة بالتعاون مع منظمة «سوا للتنمية والمساعدات» و«كلاون مي إن» و«مسرح تيموان» وقد حصلت على تمويل من الاتحاد الأوروبي ومركز غوتيه واليونيسف.
المشروع الذي بدأ بجمع قصص اللاجئين السوريين تحوّل إلى تسجيلات لعدد منها وتبلور من خلال اختيار 8 من المشاركين، تتراوح أعمارهم بين 13 و20 عاماً من أجل التجوال في الكرفانة والتمثيل. وتقول شقير «نصل إلى المنطقة، نجهّز المسرح والصوت والديكور ونضع الأغاني للتدريب. حينها، يبدأ الناس بالحضور من باب الفضول فنعلمهم بموعد المسرحية. ومتى يحين موعد العرض، يزداد الجمهور أكثر فأكثر».

النشاطات الفنية بصيص أمل رغم التحديات

يقول برينيه «ليس الفن بذاته مفتاح الحل لا بل العملية التعاونية التي توجد الروابط مع الأشخاص الآخرين في المجتمع بطرق إيجابية». وهنا يضرب مثالاً بأيوب البالغ من العمر 11 عاماً قائلاً «طوال المشروع، كان أيوب يرتدي قميصاً بأكمام طويلة رغم أنّ الجو كان حاراً جداً. وفي لحظة ما كشف عن يديه لنُلاحظ جلده المحروق.. هذه اللحظات كانت مهمة جداً لأن أيوب قرر مشاركتنا قصته بعد أسبوعين من العمل معاً والشجاعة التي تحلّى بها تُشكل جزءاً من عملية الشفاء التي نطمح إلى تحقيقه».
من جهتها، أكدت شقير أن كثيرين استفادوا من مشروع الكرفانة. وتقول «الأشخاص الذين شاركوا في ورش العمل وسجلوا قصصهم فرحوا ولو قليلاً واستفادوا من العمل في المسرح». وتتابع «اللاجئون الذين خاضوا تجربة الكاستينج واخترناهـــم لعرض المسرحية اســـتفادوا أيضاً لأنهم تابعوا دروساً في المســرح وتحولوا إلى ممثلين بارعين» مشيرة «أظن أن الجميع بشكل عام استفاد لأنهم شعروا أن قصصهم تنتشـــر وأنهم قاموا بتغيير جميل في حياتهم لأنهم شعروا أنهم أخبروا قصتهم للعالم الذي أصغى إليها». واعتبرت أن «كل شكل من أشكال التعبير مفيد للصغار وللكبار أيضاً. فهم يجدون طرقاً للتعبير عن أنفسهم من خـلال المســـرح والنزول إلى الشــارع والقـــيام بالعروض».
لا شك أن هذه المبادرات أدخلت بعض البهجة في حياة اللاجئين السوريين وغيّرت ولو قليلاً واقعهم المرير رغم بعض التحديات التي واجهتها. بشكل عام، شدد برينيه وشقير على أن معظم الناس كانوا داعمين للفكرة إلا أن برينيه أشار «كان من الصعب أحياناً التعامل مع الأولاد لاسيما أن الصدمات الكثيرة التي عانوا منها جعلت كثيرين منهم يتصرفون بشكل عنيف مما حتّم بعض الانضباط والعمل على إشعارهم بالأمان».
وأضاف أن «الأصعب تمثّل بالأمور اللوجستية خاصة أنّك لا تستطيع دخول المخيمات من دون التنسيق مع المنظمات المختلفة المسؤولة» في حين لم تواجه شقير صعوبات في الحصول على تصاريح للعرض لا بل بعض التحفظ حيال المواضيع الحساسة المطروحة.
يبقى أن هذه المبادرات لا تريد أن تكون آنية، بل تطمح إلى المزيد. يريد برينيه من خلال منظمته الجديدة أن يضع برنامجاً دائماً في عدد من المخيمات بفضل التعاون مع الفنانين والمربّين المحليين من أجل إطلاق مشاريع مستدامة. وتأمل شقير أن يتمكنوا من عرض المسرحية في أوروبا لأنها تتطرق إلى مواضيع تطال كل العالم مثل التمييز واللجوء من أجل «فتح النقاش وحث العالم على طرح الأسئلة والسعي إلى إيجاد الحلول».

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية