رسالة من المشرق للغرب

مقالات رأي و تحليلات السبت ٢٠/أغسطس/٢٠١٦ ٢٣:٢٧ م
رسالة من المشرق  للغرب

احمد المرشد

عندما تحدثت الأسبوع الفائت عن تجربة الإخوان المسلمين الفاشلة في مصر ووضعت عدة تساؤلات بشأن متي يدرك الغرب مصالحنا؟.. ولماذا يناصر الغرب الإرهابيون؟ خاصة وأن الإرهاب لا يختلف هنا وهناك، فعندنا قتلي وضحايا وهم كذلك، والإرهابيون يغضبون عندما نلحق بركب التطور والحضارة المدنية، فهم يريدوننا أشلاء وجثامين، يريدون أوطاننا بلا روح ولا أمل، ولهذا دعونا الغرب الي أن يقف بجانبنا ويناصر قضايانا ويبتعد بمؤامراته عنا، فهو عندما أسس للإرهاب لم يسلم هو الأخر من دمائه، فالسحر انقلب علي الساحر.
نستكمل اليوم معا قصة تأسيس الإرهاب في بلداننا، وكيف يسعي الغرب الي تكريسه هنا، لنكون طائعين له، ولكن ما من متعظ في هذه الدول، فعندما تشهد عدة مدن فرنسية وبلجيكية والمانية وبريطانية حوادث إرهابية يسارعون بإعلان قوانين الطوارئ واستخدام العنف ضد كل من تسول له بالدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن الوضع يختلف في بلداننا، فإذا أرادت أي حكومة عربية إعلان حالة الطواريء في البلاد عقب أي عملية إرهابية، لم تسلم من انتقادات الغرب واتهاماته بمعاداته حقوق الإنسان، فحقوق الإنسان لدي العرب غير التي لديهم، والأهم عندهم هو مناصرة مواقف الإرهابيين الذين يعيشون بينهم.
ولعل مثالنا الصارخ في ما نتحدث عنه هو منظمات المجتمع المدني التي تخضع للغرب وتمويلاته وشروطه وتتتلقي منه تعليماتها وأموالها، وبمجرد أن تفكر دولة عربية في وضع القيود علي عمل هذه المنظمات، ينتفض الغرب ويتهمنا بأننا دول قمعية تعمل ضد مواطنيها، ولكننا نذكر البعض هنا كيف كان للولايات المتحدة مواقف متشددة بل تصل الي حد تجريم تمويل أي منظمة أو جهة إسلامية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 ، رغم أن الجهات المتلقية كانت تصرف هذه الأموال في مشروعات خيرية وخدمية للمسلمين..ولكن إدارة جورج بوش الإبن رأت عكس ذلك وقررت وقف سيل الأموال، وكل هذا بحجة أن هذه التمويلات تذهب للإرهابيين، وبمجرد أن نتخذ نحن مثل هذه المواقف لوقف سيل الدم نواجه مباشرة اتهامات معيبة في حقنا.
الغرب الذي اتحدث عنه ليس الحكومات فقط أو المنظمات الغربية التي تفتح أفرع لها في الدول العربية، حيث يضاف لكل أولئك، وسائل تحريضية أخري من بينها الإعلام الذي يخدعنا ويبث تقارير مزدوجة الأهداف، فمن يتابعها ربما ينخدع بمضمونها الناعم، ولكن المؤكد أن الهدف من تقارير بعض المحطات الإخبارية العالمية مثل "بي بي سي" و"سي إن إن" تبث السم في العسل، وتؤجج نيران الحقد، ولا تقطع صلتها بالإرهابيين هنا في البحرين أو مصر أو السعودية ودول عربية أخري عديدة، ويعيب كل تقاريرها أنها لا تتصل سوي بالجماعات المعارضة وتبتعد تماما عن وجهة نظر الحكومة، ثم توجع إدمغتنا وتدعي انها وسائل إعلام محايدة، والحياد نفسه يكفر بها ولا يصدقها لأنها بعيدة عنه.
وقبل أن أتحدث عن مجريات الأمور في مصر وماذا جنته من التدخلات الدولية في شؤونها الداخلية، نتطرق باختصار شديد الي ما لعبته المنظمات الدولية من دور مضلل ضد الشعب البحريني، ومثالنا الواضح هو جمعية الوفاق، فالجمعية تأسست بشكل ممنهج لعدم احترام الدستور والطعن في شرعيته، بالمخالفة للمادة 3 من قانون الجمعيات السياسية ، حيث تعتبر الجمعيات "تنظيمات وطنية شعبية ديمقراطية تعمل على تنظيم المواطنين وتمثيلهم وتعميق الثقافة والممارسة السياسية في إطار من الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والديمقراطية وفق الدستور وميثاق العمل الوطني"..ولكن الجمعية دأبت على الطعن في شرعية دستور المملكة والتحريض على عدم احترامه، كما وصفت المملكة بأنها "تعيش بلا دستور وخارجة عن العقد الاجتماعي والشرعية فيها معلقة". ومرورا بمحاولة العمل علي تأليب الشعب ضد الدستور الذي تعتبره غير توافقي ولا يمثل الإرادة الشعبية، فهي تأسست من أجل التحريض علي العنف وتأييد الجماعات الإرهابية٬ وكان العنف السياسي هو وسيلتها للضغط علي المملكة لإلحاق الأذى والضرر بالآخرين لتحقيق أهداف سياسية٬ والعنف هنا أسفر عن أذى وتدمير. ثم نأتي لهدفنا مباشرة وهو استقواء الجمعية بالخارج والمطالبة بتدخله في شؤون المملكة الداخلية، وقد برز هذا في الكثير من مواقفها وبشكل ممنهج٬ لإقحام ما سمته "تغييرات إقليمية" في الشأن الداخلي البحريني الوطني٬ والطلب من المجتمع الدولي التدخل٬ وأن يلعب دورا نشطا في إدارة أمور البحرين .
ملخص الكلام أن "الوفاق" وغيرها من الجمعيات السياسية الدينية ليست سوي متاجر أو حوانيت لمحركيها في الغرب والذين يستغلون الجمعيات المحلية هنا كأداة للوقيعة بين الشعب وقيادته، وللأسف تنساق الجمعيات والمنظمات المحلية التي تتأسس تحت عنوان مخادع اسمه "حقوق الإنسان" وسرعان ما تلجأ الي أسيادها في الخارج عند أي مشكلة هنا أو هناك، في البحرين، مصر، السعودية، أو أي دولة عربية، فالجمعيات المأجورة دائما ما تطعن شرعية السلطة التشريعية، وتتهم المجالس النيابية بأنها ليست مؤسسات ديمقراطية ، كما أن الجمعيات المحلية لا تحترم السلطة القضائية وتصف أحكامها بـ"الأحكام الانتقامية الظالمة والمغامرات غير المحسوبة"٬ وتدعي بأن القضاء لم يعد محلا للثقة٬ كما تصف أحكامه بـ"الأحكام السياسية"، لأنه يقف لها بالمرصاد، وليس أخرا، من اعتماد هذه الجمعيات والمنظمات الدين كمرجعية سياسية ٬ واستخدام دور العبادة لممارسة النشاط السياسي، وتستغل الدين لتحقيق مآربها حتي لو كان خرابا للشعب وممتلكاته ومنجزاته علي مختلف الأصعدة.
وكما كان لدينا جماعة "الوفاق" الدينية، فالمصريون ذاقوا ويلات تجربتهم مع جماعتهم أيضا، التي يتسلح مسؤليها حاليا بارتباطهم بالدول الأوروبية والاقامة هناك، وشن حملات إعلامية متواصلة ضد مصر بهدف تأليب الرأي العام ضد قيادته، في الوقت الذي تناصر فيه الحكومات الغربية ووسائل إعلامها هذه الحملات المغرضة ولا تطالبها بالتوقف واحترام قوانين البلاد التي يعيشون فيها كما تطالب كل قوانين ولوائح حق اللجوء السياسي التي تحرم ممارسة أي نشاط سياسي في البلد المضيف، ولكن الغرب يتغاضي عن هذا الشرط، فهو يتعامل بازدواجية مفرطة معنا، يرفض لحكوماتنا تأمين شعوبها، في حين يمنح الحق للاجئين غير الشرعيين بممارسة الكذب علي الشعوب عن بعد. وكانت مصر قد تعرضت علي مدي الأسبوعين الفائتين لحملات إعلامية غربية، وغاب عن منفذيها أن الشعب المصري واع تماما لما يحاك ضده بالخارج، ومن هم أصحاب هذه المصالح، فهو أيضا مثل الذين نراهم هنا، مجرد حوانيت ومتاجر لشياطينهم في الخارج.
ومما يؤسفني حقاً، هو أن عدد من المصريين لا يتورعون في العمل ضد بلدهم وشعبهم، وهم يستغلون كرم الغرب معهم في منحهم الاقامات المجانية والهبات والمعونات والمرتبات الشهرية التي لا يتقاضاها أبناء الغرب أنفسهم، ولا هم لهؤلاء المخربين سوي بث السموم ليل نهار لاحباط الشعوب ومحاولها النيل من عزيمتها، والهدف كله هو دفع الشعب الي الانقلاب علي سلطته المنتخبة، هذه السلطة التي تقيم المشروعات القومية العملاقة من أجل تأمين مستقبل مزدهر للمصريين، ومن لم ير أو ينكر هذا فهو أعمي حقيقي، أعمي بصر وبصيرة معا، فالمتابع للأخبار المصرية، يكتشف أنه لا يمر يوم بدون افتتاح مشروعات جديدة، سواء خدمية أو انتاجية تكون قيمة مضافة لمصر.. وللأسف فقد قرأت الأسبوع الفائت تقريرا مفزعا عن جمعيات المجتمع المدني في مصر، ومصدر فزعي ما جاء بالتقرير بأن هناك 72 ألف جمعية سرية في مصر!!
ومع ذلك، لم تسلم مصر من عمليات إرهابية متواصلة بهدف ذرع اليأس في نفوس المصريين وثنيهم عن الاربتاط بقائدهم الذي خلصهم من حكم الجماعة الدينية الفاشية التي اختطفت ثورتهم في 25 يناير 2011 وهي لم تكن مشاركة فيها، ولكنها انتظرت وقتا طويلا لكي تري مآلاتها، فإذا فشلت ارتمت في أحضان الدولة، أما إذا تحقق لها النجاح فتدعي هنا أنها كانت سببا مباشرة في انجاحها.
هكذا هي الجماعات الدينية، تلعب دائما من خلف ستار وتخشي المواجهة اللهم إلا إذا عثرت علي جهة أو حكومة أجنبية تستند عليها.. وفي النهاية، فكل هذه الجمعيات لا تختلف عن الشيطان كثيرا، فهي مخربة ولديها قدرات تدميرية هائلة وعلي الشعوب الاستعداد لها والنيل منها حتي لا تكون شوكة في ظهرنا. ويكفي أن مثل هذه الجمعيات تبيع نفسها للشيطان الذي يدفع لها أكثر، فهي تتقلب علي أكثر من مائدة، وأطماعها تدفعها الي تذوق المزيد من كل الموائد.
وثمة كلمة أخيرة لكل شخص يسئ لبلده، خاصة المصريين، فبعضهم يتحدث عن أرض الكنانة وكأنها أصبحت عصية علي العيش فيها، ورغم أن لي بعض الأصدقاء ليسوا بإخوان، ولكنهم يسيئون لمصر أكثر من الإخوان، بحديثهم المغرض عن مصر ورئيسها عبد الفتاح السيسي، فهو زعيمهم الذين اختاروه بمحض إرادتهم..وطبيعي أن يمر أي بلد تعرض لما تعرضت له مصر خلال الفترة سيمر ببعض الصعوبات، فمصر هي الدولة الوحيدة من دول ما يسمي الربيع العربي التي استطاعت الوقوف علي قدميها مرة أخري، ولم ينحل جيشها أو يعمل ضد شعبه، بل تحلي الجيش المصري بالقوة والشجاعة وساهم بقدر وفير في محاربة الإرهاب وكذلك شارك في معركة إعادة البناء، فكان له الفضل الكبير حفر قناة السويس الثانية والعديد من المصانع واستزراع الأراضي الزراعية في عدة مدن وتعبيد الطرق..فتحية لمصرولكل المصريين الأوفياء.

كاتب ومحلل سياسي بحريني