الإقراض الصيني الخارجي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ١٣/نوفمبر/٢٠١٨ ٠٣:٥١ ص
الإقراض الصيني الخارجي

كارمن راينهارت

عبر الخمسة عشر عاماً الفائتة، أشعلت الصين شرارة واحدة من أكثر موجات الإقراض إثارة وأبعدها مدى (جغرافيا) في وقت السلم الرسمي على مر التاريخ. فقد اقترضت أكثر من مئة دولة منخفضة الدخل في الغالب من الصين لتمويل مشروعات بنية أساسية، أو لتوسيع طاقاتها الإنتاجية في التعدين أو السلع الأولية الأخرى، أو لدعم الإنفاق الحكومي بشكل عام.

لكن حجم موجة الإقراض هذه ليس ملمحها الأبرز. بل اللافت للنظر فعلا هو ضآلة معرفة الجميع بها، عدا اللاعبين المباشرين ــ وأعني بهم الحكومة الصينية ووكالات التنمية المقرضة من جهة، والمشروعات الحكومية والمملوكة للدولة المقترضة من جهة أخرى. فهناك بعض المعلومات المتاحة عبر الصحافة المختصة بالشؤون المالية ومصادر أخرى خاصة وأكاديمية متنوعة عن حجم وتوقيت القروض الصينية، فيما تندر أو تنعدم المعلومات الخاصة بأحكام وشروط القروض.

قبل ثلاثة أعوام، وفي معرض كتابتي عن «الديون المخفية» المستحقة للصين، وتركيزي على الدول المقترضة في أميركا اللاتينية (فنزويلا والإكوادور)، سجلت مخاوفي من عدم إحاطة مصادر البيانات بالتوسع الملحوظ لتعاملات الصين المالية مع بقية دول العالم النامي. ولم يتغير الوضع كثيرا منذ ذلك الحين. ورغم انضمام الصين عام 2016 لمصاف الدول التي تقدم كشف حساب لبنك التسويات الدولية، فلن نجد الإقراض من بنوك التنمية الصينية مفصلا أو مقسما بتوضيح الأطراف المقابلة في بيانات بنك التسويات الدولية. كما أنه يندر أن تتخذ استدانة الأسواق الناشئة شكل السندات المالية الصادرة في أسواق المال الدولية، ومن ثم لا تظهر القروض أيضا في قواعد بيانات البنك الدولي أو غيره.
وإذا افترضنا أن الزيادات المبدئية في الاقتراض الخارجي قد قُللت تقديراتها، فهناك أيضا سبب للظن في احتمالية أن يكون حجم الانعكاس الجاري في تدفقات رؤوس الأموال إلى كثير من الدول النامية ودول الأسواق الناشئة ربما يكون أكبر مما هو معتقد بشكل عام. وتشير الأرقام المعلنة مؤخرا من قبل مبادرة البحث الصينية-الأفريقية في جامعة جونز هوبكنز إلى انخفاض حجم الإقراض الصيني لكل الدول الأفريقية المقترضة المدرجة في قاعدة بياناتها بمقدار النصف في العام 2017 مقارنة بالعام السابق عليه.
ويتلخص أحد التفسيرات المقبولة لهذا التقشف البادي في الإقراض في تباطؤ النمو الصيني بدرجة كبيرة بعدما وصل إلى معدل تجاوز 10 % حتى 2010. ومع تحول مصادر النمو من الاستثمار في البنية الأساسية إلى استهلاك الأسر، انحسر اهتمام صانعي السياسات بتمويل التوسع في إمدادات السلع الأساسية في أجزاء مختلفة من العالم. وهناك تفسير آخر مقبول (وإن كان لا يستبعد الأول) وهو أنه ربما وصلت التزامات الديون الخارجية لدى المقترضين حدا بدأت تظهر عنده صعوبات السداد، مما جعل بنوك التنمية في الصين معرضة بشكل هائل للقروض المنطوية على مخاطر أو القروض العاطلة.
وربما ألقت المراحل المبكرة من موجة الاقتراض الخارجي (أو فترة شهر العسل) الضوء أيضا على أسباب تحول الوضع إلى شكل أشد خطورة وأقل استقرارا. فمن ناحية الطلب، سهلت الميزانيات العمومية النظيفة (الخالية من الدين تقريبا) نسبيا لكثير من الدول منخفضة الدخل حدوث هذه الموجة من القروض، حيث كانت مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، التي تبناها نادي باريس للدائنين الرسميين، والمؤسسات متعددة الأطراف قد قامت بالفعل بشطب جزء كبير من الديون الخارجية السابقة لتلك الدول أما من ناحية العرض، فقد أدت قلة أو عدم تعرض تلك الدول للدين قبل ذلك الوقت، إضافة إلى عدم استعداد بعض الدائنين الرسميين الكبار للعودة إلى الإقراض التنموي بعد مبادرة شطب ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون، إلى ظهور فراغ في الإقراض الرسمي. وقد ملأت الصين هذا الفراغ.
إن الصين ليست عضوا بنادي باريس، لذا فليس هناك من الأسباب ما يدعونا لافتراض أن طريقة التعامل المعتادة مع مفاوضات الدين الرسمي تتعلق بفهم ما قد يحدث. وأظن أنه إذا زادت الصعوبات المستفحلة بالفعل التي تحيط بخدمة الدين بين الكثير من دول العالم الأشد فقرا، فسيؤدي ميل الصين نحو تفضيل القروض ذات الضمانات الإضافية تحديات خاصة. كما قد تؤثر أحكام مثل هذه القروض على ترتيب الأقدمية بين الدول المقرضة، التي وضعت في الماضي القروض الثنائية الرسمية في أسفل الترتيب.
أكدت مدير عام صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد مؤخرا على أن الموافقة على طلب باكستان للحصول على مساعدات من الصندوق يتطلب «شفافي مطلقة» فيما يتعلق بديون الدولة، التي يأتي كثير منها من مبادرة الحزام والطريق، التي تجسد مجهودا صينيا جبارا لتحديث البنية الأساسية للتجارة والنقل عبر أوراسيا وأفريقيا. ويوحي بيان لاجارد بأن الطريق الشاق للكشف الكامل عن الديون المستترة قد يمر عبر برنامج لصندوق النقد الدولي.

أستاذة النظام المالي الدولي في كلية كينيدي

للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد.