x

نافتا بحلة جديدة

مقالات رأي و تحليلات الاثنين ١٥/أكتوبر/٢٠١٨ ٠٢:٥٩ ص
نافتا بحلة جديدة

جيفري فرانكل

يتصرف دونالد ترامب وكأنه حقق نصرا خارقا عندما استبدل (نافتا) اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا- التي ربما قد تكون أسوأ اتفاقية تجارية على الإطلاق- باتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا الجديدة. والحقيقة أنه رغم كون الاتفاقية الجديدة أفضل من وضع نهاية للتجارة الحرة في أمريكا الشمالية، فهذا لا يعني أنها ستحسن من الوضع الراهن.

بطبيعة الحال، يعتمد دونالد ترامب أسلوب التهديد في طريقة عمله، أي إنه يهدد بفعل شيء كارثي، حتى يشعر الناس بالارتياح عندما تسوء الأمور شيئا ما. وهذا ما فعله مع كوريا الشمالية، عندما شتم رئيسها، كيم جون يون، وهدد بصب «جام غضبه «على البلاد. وبدا لقاؤه الأخير مع كيم وكأنه إنجاز مهم، رغم أنه أسفر عن تقدم طفيف جدا.

وكان وصف ترامب الخاطئ لنتائج ذلك الاجتماع- مشكلة التسلح النووي لأمريكا الشمالية، الذي ادعى أنه تمت «تسويته»- تكتيكا عياريا آخرا لترامب. ويصف الأخير اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا على أنها أعظم اتفاقية تم توقيعها على الإطلاق». ويعتقد ترامب أن كل ما كانت تحتاجه النافتا بالفعل هو تسميتها باسم جديد- قال عنه إزوار برازاد، أنه يضع حرفيا «أمريكا في مقدمة الترتيب»- ليتمكن ترامب من إيهام مؤيديه أنه حقق إنجازا إيجابيا.
ومن المنصف أن نقول: إن الاسم ليس الفرق الوحيد بين اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. بل هناك على الخصوص أربعة أمور أثار تغييرها انتباه الرأي العام.
وأول هذه التغييرات يتمثل في اعتماد قانونين متعلقين بصناعة السيارات. ومن أجل تفادي التعريفات الجمركية، ينص أحد القانونين على صنع 75% من أجزاء السيارات داخل أمريكا الشمالية- بعد أن كانت 62.5% - حتى تنخفض نسبة استيرادها من آسيا. وينص القانون الثاني، أن يساهم العمال الذين يتقاضون ما يفوق 16 دولارا في الساعة، وهو معدل يفوق متوسط الأجور في المكسيك، في 40 إلى 45% من نسبة الإنتاج مع حلول العام 2023.
وستمكن هذه الإجراءات بعض المواطنين الأمريكيين من الحصول على بعض الامتيازات على حساب غيرهم. ولن يواجه المستهلكون ارتفاع أسعار السيارات فقط، بل قد تؤدي عرقلة سلسلة التوريد الناجعة القائمة إلى تدهور صناعة السيارات في الولايات المتحدة الأمريكية، نظرا لكونها تُضعِف التنافسية الدولية للإنتاج في أمريكا الشمالية. كما أن ارتفاع تكلفة إنتاج الفولاذ والألومنيوم جراء ضرائب ترامب (دعك من المقابلة بالمثل من طرف الدول الأجنبية) ستزيد من حدة المشاكل في قطاع الصناعة. إذا، فالأحكام المنصوص عليها في اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا خطوة نحو الوراء بعد نافتا.
والتغيير الثاني الكبير في اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا هو تقديم تنازلات زراعية، خاصة موافقة كندا على السماح للمنتجين الأمريكيين بالدخول إلى نسبة تصل إلى 3.6% من سوق منتوجات الحليب، وهي قيمة تعادل 70 مليون دولار. وكان هذا التغيير ملحوظا لأنه لطالما كانت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا تحميان منتجي الألبان في البلدين من المنافسة، أكثر من القطاعات الزراعية الأخرى. وسيتمتع منتجو الألبان الآن ببعض الامتيازات على حساب نظرائهم الكنديين. كل شيء جيد حتى هذه النقطة.
لكن هذا التنازل الذي يشكل 0.00003 % من مجموع الصادرات الأمريكية، لن يكون له أثر ظاهر على ميزان التجارة الأمريكية. ولا يمكن لترامب أن يعلن بصدق نصرا فيما يتعلق بالوضع الراهن الذي كان قائما قبل صعوده للسلطة- حتى لمؤيديه المركنتليين (التجاريين). وفي واقع الأمر، كان أوباما قد تمكن من انتزاع نفس التنازلات من كندا العام 2015 في إطار الشراكة العابرة للمحيط الهادي، التي سحب منها ترامب عضوية الولايات المتحدة فور توليه الرئاسة.
وعلى العموم، كانت ستكون الشراكة العابرة للمحيط الهادي أفضل من اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، حتى من المنظور الضيق للمركنتليين. ففي النهاية، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات هذه الاتفاقية موافقتها على زيادة دخول كندا إلى أسواق إنتاج الحليب في أمريكا، وأيضا دخولها إلى قطاعين زراعين من بين الأكثر خضوعا للحماية المكثفة في أمريكا: الفول السوداني ( والمنتوجات المشتقة منه) والسكر (بما في ذلك المنتوجات المكونة من السكر). والأهم من هذا بكثير، كانت ستَحُدُّ تسعة دول أخرى من حافة المحيط الهادي (مثل فيتنام) من القيود المفروضة على صادرات الولايات المتحدة الأمريكية.
والميزة الأخرى الملفتة للانتباه في اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا متعلقة بميكانيزمات تسوية النزاعات. إذ وافقت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا على إلغاء ميكانيزم تسوية النزاعات بين المستثمرين والدولة، التي انتقدها الكثير لكونها تعطي للشركات الكثير من السلطة في المفاوضات الدولية، لدرجة تُمَكَّنهم من تعزيز مصالحهم على حساب الصحة والبيئة.
ورغم ذلك وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على الإبقاء على الإجراءات التي ينص عليها «الفصل 19» من نافتا بخصوص تسوية النزاعات التجارية الأخرى. قد يبدو هذا التنازل مفاجئا، لكن المفاوضين في إدارة ترامب يَحِنُّون إلى أن تلعب أمريكا من جديد دور النائب العام والقاضي والحكم في قضايا مكافحة الإغراق التجاري وقضايا مكافحة الرسوم التعويضية. لكن كندا لم تكن لتقبل إجراءات من طرف واحد كهذه، وهذا قرار منطقي.
والتغيير الرابع والملفت للانتباه كذلك في اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا هو تضمنها لبند الانقضاء. في البداية، دعت إدارة ترامب إلى وضع بند يقضي بتجديد الاتفاقية الجديدة مرة كل خمس سنوات، على أن يكون بند الانقضاء خيارا ضمنيا- وهو مطلب مبالغ فيه كان سيعرقل الاتفاق. وكان الشك الدائم بشأن استمرارية الاتفاق سيُضعف بشكل كبير قدرة الشركات على وضع خطط مستقبلية. ولم تكن كندا لتوافق على هذا المطلب أبدا.
ولحسن الحظ، تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن مطلبها. لكنها لم تضمن بندا أقل صرامة: إذ يجب أن تُجَدَّد اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا مرة في كل 16 سنة. ونأمل أن تكون هناك إعادة النظر في هذه الاتفاقية في المستقبل، عندما يتولى الرئاسة أشخاص أكثر حكمة، وأن يلغوا ربما بند الانقضاء.
وتتضمن اتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا أحكاما أخرى تتطلب وقتا لتقييمها. إذ تتضمن حكما يقضي بتعزيز حماية العمال، لكن على نطاق أصغر من الاتفاقية العابرة للأطلسي. وعلى غرار هذه الأخيرة، تتضمن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أحكاما بخصوص الاقتصاد الرقمي وتمديد حقوق الملكية الفكرية في مجالات معينة لاسيما في حقوق النشر البيانات البيولوجية- نقط رابحة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لكنها تشكل عائقا لمناهضي العولمة.
وفي الأخير، نافتا الجديدة خطوة في اتجاه الشراكة العابرة للأطلسي التي احتقرها ترامب. فهي ليست في مستوى الشراكة العابرة للأطلسي، ولا حتى أفضل من النسخة الأصلية لنافتا. لكنها أفضل من انهيار التجارة في أمريكا الشمالية.

يشغل جيفري فرانكل منصب أستاذ في

التكوين الرأسمالي والنمو في جامعة هافارد.