x

عمق الركود الأمريكي

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٠٤/سبتمبر/٢٠١٨ ٠٥:٤٥ ص
عمق الركود الأمريكي

جيفري فرانكل

إن الاقتصاد الأمريكي في وضع جيد ولكن الركود القادم –ودائما سيأتي الركود- سيكون سيئاً للغاية.

طبقاً لتقديرات مكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من سنة 2018 وصل إلى 4،1 % - الأعلى منذ نسبة 4.9% والتي وصل إليها ابان حكم الرئيس باراك أوباما سنة 2014. إن سنة أخرى من النمو تعني تحقيق التوسع القياسي والذي استمر لفترة عشر سنوات في التسعينات وإذا أضفنا لذلك البطالة المنخفضة فإن الأمور تبدو جيدة بالفعل. لكن هذا لا يمكن أن يستمر للأبد ونظراً لوجود دين تجاري عالمي ضخم وسوق أسهم أمريكي مرتفع – نسبة السعر إلى الربح المعدلة دورياً مرتفعة وفقاً للمعايير التاريخية-فإن أحد العوامل التي قد تؤدي لحدوث انكماش في السنوات المقبلة هو صدمة سلبية يمكن أن تؤدي إلى هبوط حاد في الأوراق المالية.

إن مثل تلك الصدمة قد تكون محلية بحيث تأتي على شكل تضخم متجدد أو تصاعد الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقد تأتي الصدمة من الخارج فعلى سبيل المثال فإن الأزمة المالية وأزمة العملة حاليا في تركيا قد تمتد إلى أسواق ناشئة أخرى. إن أزمة اليورو لم تنته فعلياً على الرغم من اكتمال برنامج إنقاذ اليونان علما أن إيطاليا على وجه الخصوص تمثل مصدراً كبيراً للخطر وحتى الصين معرضة لتباطؤ النمو ومستويات مرتفعة من الدين. بغض النظر عن الشرارة المباشرة التي ستؤدي لحدوث مثل تلك الصدمة فإن العواقب ستكون وخيمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وذلك لسبب بسيط وهو أن الحكومة الأمريكية مستمرة في سياسات مالية وسياسات تحوطية كلية وحتى سياسات نقدية تساير الدورات الاقتصادية وعلى الرغم أن من الصعوبة بمكان معرفة التوقيت الصحيح بالضبط للتقلبات الاقتصادية فإن هذا لا يعتبر عذراً لتبني سياسات تساير الدورات الاقتصادية وهو نهج يضع الولايات المتحدة الأمريكية في وضع ضعيف عند إدارة الصدمة المحتومة المقبلة.
عند حدوث الازدهار الاقتصادي، فإن عجز الميزانية عادة ما ينخفض أو على الأقل كجزء من الناتج المحلي الإجمالي ولكن مع تبني الولايات المتحدة الأمريكية الآن لأكثر سياسات التوسع المالي المسايرة للدورات الاقتصادية راديكالية منذ أواخر الستينات وربما منذ الحرب العالمية الثانية، فإن مكتب الميزانية التابع للكونجرس يتوقع بأن عجز الحكومة الفيدرالية الذي ينمو بسرعة سيتجاوز تريليون دولار أمريكي هذا العام.
إن العجز في أمريكا يتضخم من جانبي الإيرادات والنفقات وعلى الرغم من أنه كانت هناك حاجة لتخفيض معدل الضريبة على الشركات فإن قانون الضرائب الذي قام الجمهوريون بالكونجرس بتشريعه في ديسمبر الفائت لم يؤدِ الى عدم تأثر الإيرادات كما كان من المفترض أن يكون عليه الحال وكما كان الوضع ابان حكومات رونالد ريجان وجورج بوش الابن الجمهورية فإن إدارة ترامب تدعي أنها تفضل الحكومة التي لا تتدخل كثيراً في حياة الناس، إلا أنها في واقع الأمر مبذرة للغاية وكنتيجة لذلك فعندما يحصل الركود مجددا فإن الولايات المتحدة الأمريكية لن تكون لديها المساحة المالية للتعامل مع مثل ذلك الركود.
إن تبني إدارة ترامب لرفع القيود المالية هو أيضا يساير الدورات الاقتصادية ويزيد من التقلبات في السوق. لقد ألغت إدارة ترامب والكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون قانون حكم الأمانة لأوباما والذي كان سيفرض على المستشارين الماليين المحترفين وضع مصالح زبائنهم أولا عندما يقدمون لهم المشورة فيما يتعلق بالأصول التي يتم استثمارها من خلال خطط التقاعد. لقد قاموا أيضا بالتراجع عن أحكام منطقية تتعلق بالتمويل الإسكاني بما في ذلك أحكام تحمل مسؤولية المخاطر والتي تجبر الأطراف التي تنشأ الرهن العقاري على تحمل بعض المخاطر بالإضافة إلى متطلبات تتعلق بقيام المقترضين بتقديم دفعة أولى كبيرة من أجل التحقق من قدرتهم على الدفع.
لقد عمل البيت الأبيض والكونجرس كذلك على إلغاء قانون دود-فرانك لإصلاح وال ستريت وحماية المستهلكين لسنة 2010 والذي عمل على تعزيز النظام المالي بطرق عديدة بما في ذلك فرض متطلبات رأسمال أعلى على البنوك وتحديد «المؤسسات المالية المهمة منهجيا» بالإضافة إلى طلب المزيد من الشفافية فيما يتعلق بالمشتقات المالية كما يتم الآن الحد من عمل مكتب الحماية المالية للمستهلكين –والذي أسسه قانون دود-فرانك من اجل حماية المقترضين الذين يعانون من قروض صغيرة ذات فوائد مرتفعة وقروض دراسية وقروض مركبات -.
إن قانون دود-فرانك هو تشريع يمكن تحسينه كما هو الحال في معظم التشريعات الأخرى. لقد كانت تكاليف الالتزام مرتفعة بشكل مبالغ به وخاصة بالنسبة للبنوك الصغيرة والعتبة الأصلية لفحص صلابة البنوك ومرونتها «المؤسسات الكبيرة جدا على الفشل» – أصول بقيمة 50 بليون دولار أمريكي – كانت قليلة جدا ولكن القيادة الأمريكية الحالية ذهبت بعيدا جدا في الاتجاه المعاكس بما في ذلك رفع عتبة اختبارات فحص صلابة البنوك ومرونتها إلى 250 بليون دولار أمريكي وعدم الطلب من المؤسسات غير المصرفية الالتزام وهذا يزيد من مخاطر العودة الحتمية لأزمة مالية تشبه تلك التي حصلت في 2007-2008. لقد وصلنا إلى النقطة الصحيحة ضمن الدورة الاقتصادية من اجل رفع متطلبات رأس المال المتعلقة بالبنوك كما دعا لذلك قانون دود-فرانك علما أن ذلك سيخفف من تأثير أي خطر لازمة مصرفية مستقبلية. إن هناك دولاً أخرى تنفذ السياسة التحوطية الكلية بشكل أفضل فلقد قام الأوروبيون بتطبيق متطلبات رأس المال التي تخفف من التقلبات الاقتصادية على مصارفهم. إن بعض الدول الآسيوية ترفع من متطلبات الاحتياط للمصارف وسقف قروض أصحاب المنازل مقارنة بالقيمة خلال فترات الازدهار الاقتصادي وتخفضها خلال فترات الانكماش.
عندما يتعلق الأمر بالسياسة النقدية فإن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يؤدي بشكل جيد ولكن استقلاله يتعرض لضغوط بشكل متزايد من السياسيين الجمهوريين ولو نجح هذا الهجوم فإن السياسة النقدية المتعلقة بالتقلبات الاقتصادية ستتأثر سلبا.
لقد كان الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الماضي يقوم بالتخفيف من وطأة فترات الركود من خلال تخفيض أسعار الفائدة قصيرة الأجل بحوالي 500 نقطة أساس ولكن بأسعار تصل حالياً إلى 2 % فقط فإن مثل هذه الخطوة ستكون مستحيلة ولهذا السبب وكما أشار مارتن فلدشتاين مؤخرا فإنه يتوجب على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي «رفع السعر عندما يكون الاقتصاد قوياً» مما يعطي «الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الحرية للرد على الانكماش الاقتصادي المقبل من خلال تخفيض معتبر».
إن معظم منتقدي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لا يوافقون على ذلك ففي سنة 2010 هاجموا الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بسبب سياسة التخفيف النقدي التي اتبعها وعلى الرغم من أن معدل الباحثين عن عمل كان ما يزال أعلى من 9 % والآن يقول ترامب انه ليس متحمسا لقيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة وعلى الرغم من أن نسبة الباحثين عن عمل اقل من 4 %. إن هذا يشبه تأييد سياسة نقدية تساير الدورة الاقتصادية. وبينما نحن نقترب من الذكرى العاشرة للأزمة المالية العالمية، يتوجب عليها أن نتذكر كيف وصلنا لتلك الأزمة ففي الفترة من 2003 إلى 2007 قامت الحكومة الأمريكية بتبني سياسة توسع مالي ورفع القيود المالية وهو نهج وحتى في ذلك الوقت كان ينظر إليه على أنه نهج من المرجح أن يحد من قدرة الحكومة على التعامل مع أي ركود ولو استمرت الولايات المتحدة الأمريكية بمسيرتها الحالية فإن على المرء أن لا يتفاجأ لو أعاد التاريخ نفسه.

استاذ في تشكل رؤوس الأموال ونموها في جامعة هارفارد