السلع الغذائية.. إعادة نظر

مقالات رأي و تحليلات الأربعاء ٠١/أغسطس/٢٠١٨ ٠٤:٢٤ ص
السلع الغذائية.. إعادة نظر

محمد محمود عثمان

تتناول وسائل التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر معلومات خطيرة، عن مخاطر يتعرض لها المستهلك المسالم الذي ينساق في ظل حمى الشراء بدون وعي خلف عمليات الدعاية والتسويق التي تحاصره طوال الليل والنهار حول المشروبات والمواد الغذائية المستوردة من الخارج،التي لم نسلم منها جميعا، مهما حاولنا الحرص أو الحذر منها، تحت ظروف الحاجة ومطالب الأطفال،أوالإقبال على المأكولات السريعة خارج المنزل.

وتناول هذه المواد الغذائية التي قد تحتوي على مواد خطرة على الصحة العامة، طبقا لما هو متداول – لو كان صحيحا- على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيديوهات لرش الخضروات والفواكه لإنضاجها قبل موعدها لحفظها من التلف أثناء التصدير بـ»شمع البرافين النفطي» والمواد الكيماوية العازلة المسرطنة، حتى أدوات التجميل والمشروبات الغازية والمياه المعدنية ومشروبات الطاقة، وأصبح المستهلك العربي حائرا بين المصنفات الدولية التي تحدد هوية المنتج ومكوناته والأضرار التي قد تنتج عنه، بالإضافة إلى الكثير من المنتجات الغذائية والحيوانية والزراعية يتم تعديلها وراثيا من خلال تغيير مورثات الكائن الحي بهدف إكسابها سِمَات مختلفة عما كانت عليه، حتى تصبح أكثر جودة وأعلى في قيمتها الغذائية ومذاقها ووفرتها، أو كأن تصبح السلالات الجديدة أكثر مقاومةً للعوامل البيئية.

وفي المقابل يوجد جدل عالمي كبير وواسع بشأن ضرر هذه الأنواع من الأغذية أو فائدتها، سواء بالنسبة لصحة الإنسان أو الحيوان أو البيئة، ولا يزال الجدل محتدماً حتى اليوم، ولكن أين نحن من كل هذا؟ فهل نشارك في الجدل ونستقي منه المعلومات التي نستفيد منها،أو لدينا دراسات وبحوث علمية وعملية، نصل من خلالها إلى كيفية التعامل بها ومعها؟ حتى نحمي أنفسنا من أي أضرار اكتشفت أو لا زالت في علم الغيب، خاصة أن دول أوربا وأمريكا تضع الكثير من العوائق والشروط المجحفة أمام الصادرات العربية من المنتجات والمواد الزراعية العربية لضمان حماية صحة مواطنيها.

لأننا نجد أن الخطر الحقيقي لمثل هذه المركبات لا يتمثل في تناول طعام ملوث بها، ولكن المشكلة أن هذه المركبات الكيميائية تترسب في جسم الإنسان على المدى الطويل إلى أن تصل إلى تركيز ضار يتسبب في الفشل الكلوي أو الكبدي، أو إلى الإصابة بالسرطان، خاصة كلما ازدادت المواد الكيماوية التي تستخدم في الزراعة مثل الأسمدة والمبيدات والعقاقير البيطرية، وفي مصانع تجهيز الأغذية وتعبئتها وتغليفها من خلال المضافات الغذائية والمواد المستخدمة في عمليات التصنيع، من أجل زيادة الإنتاجية وإطالة مدة الصلاحية للأغذية المصنعة، ولتحسن خواص المنتجات الغذائية من حيث قيمتها الغذائية ومن حيث مذاقها ولونها ورائحتها وملمسها، فإن ذلك أدعى إلى زيادة القلق لدى المستهلكين إزاء جودة الأغذية وسلامتها، مما يتطلب دورا أكبر لأجهزة وهيئات حماية المستهلك، خاصة في البلاد الأكثر استيرادا للمواد الغذائية من الخارج،للتأكد من الجودة، ومطابقتها للمواصفات والمعايير الدولية، لأن في ذلك حماية لصحة الإنسان والمجتمع التي تنعكس إيجابيا على العمل والإنتاج والوضع الاقتصادي بشكل عام، ولا شك أن ذلك يحتاج إلى جدية العمل وفق خطة محكمة ومتكاملة للمحافظة على سلامة المواد الغذائية والخضروات من كل أنواع التلوث، من خلال الرقابة في المنافذ الجمركية، وإحكام الاشتراطات الصحية المعتمدة، وتطوير المعامل المتخصصة وتجهيزها بأحدث المعدات والأجهزة، لزيادة قدرتها وإمكانياتها، إلى جانب، توفير الكوادر المدربة والمؤهلة لتشغيلها بكفاءة ومهارة، حتى يمكن فحص المواد الغذائية المستوردة والتأكد من سلامتها وخلوها من الأمراض التي تهدد حياتنا وصحتنا.

إلى جانب ضرورة العمل على الاعتماد على أنفسنا في تدبير احتياجاتنا الغذائية، لأننا للأسف لا نشغل بالنا كثيراً بحقيقة ما نستورده وما نأكل ومكوناته، بدون أن نعرف أن حوالي 1.5 مليون شخص قد أصيبوا بنوع من الأمراض السرطانية القاتلة في السنة الأخيرة فقط، لذلك فالأمر يستحق وقفة جادة من جهات الاختصاص في وزارتي التجارة والصناعة والصحة، وأجهزة حماية المستهلك، والأجهزة الرقابية والبلدية المختلفة، وجمعيات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لمعرفة ما يحويه طعامنا، في إطار خطة واضحة تحمل شعار الوقاية المسبقة من الأمراض السرطانية، خير من العلاج.

محمد محمود عثمان

mohmeedosman@yahoo.com