غموض ترمب بشأن كوريا

مقالات رأي و تحليلات الثلاثاء ٢٤/يوليو/٢٠١٨ ٠٥:٢٥ ص
غموض ترمب بشأن كوريا

لا أحد يعلم بعد عن نوع الصفقات التي من الممكن أن يكون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الاجتماع السري الذي جمعهما في هلسنكي لمدة ساعتين. ولكن من الواضح أن تهنئة ترامب لنفسه بمناسبة عقد صفقة "لنزع السلاح" من بينيزولا الكورية، خلال قمة جمعته مع كيم جون أون في سنغافورة، بدأت تفقد قيمتها. ففضلا عن تراجعه عن المفاوضات مع الولايات المتحدة على مستوى العمل المشترك، ما زال نظام كيم يعزز مركزه كدولة مصنّعة للأسلحة النووية، ورئيس الكرملين متأكد من تسجيله لهذه المعلومة.
وكانت دائما للأخصائيين في شمال كوريا شكوك حول ما إذا كان كيم سيتخلى عن أسلحته النووية. وتدعم الأدلة الأخيرة شكوكهم. وتشير تقارير لموظفين في الاستخبارات الأمريكية أن الشمال ماض إلى الأمام بخصوص برنامجه النووي عن طريق الزيادة في إنتاج الصواريخ واليورانيوم والحجب عن حجم مخزونها النووي.
وكل من تابع ما يحصل في بينيزولا الكورية سبق له أن شاهد هذا الفيلم. ففي كل الأحوال، أب كيم وجده هما مَن كتبا السيناريو قبل عشرات السنين. فمنذ 1970، عبّر نظام كيم باستمرار عن رغبته في نزع الأسلحة النووية من بينيزولا الكورية ووقّع على اتفاقيات منع انتشار الأسلحة النووية ودخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية -وكان في نفس الوقت يتابع برنامج الأسلحة النووية. وفي المرة الأخيرة الذي أعِيد فيه نفس السيناريو، استعمل كيم المؤثرات الخاصة لوالده. ففي مايو، فجّر محطة لاختبار الأسلحة النووية على الطريقة السينمائية التي استعرضها كيم جونج عندما فجّر بواسطة الديناميت برجا لتبريد المفاعل النووي قبل عشر سنوات.
ومقارنة مع سياسة كيم التي تدرّب عليها هذا الأخير جيّدا، كانت الدبلوماسية التي اعتمدت عليها إدارة ترامب فاشلة. فبعد تهديده لشمال كوريا بتدميرها كليا العام الفائت، منح ترامب تنازلا كبيرا لكيم عندما وافق على حضور قمة يونيو. وأثناء وجوده هناك، أظهر أنه ليست له أي استراتيجية ولا حتى لإدارته لجعل كيم يلتزم بأي اتفاق. والأسوأ في الأمر أن ترامب استمر بالإصرار على أن المحادثات التي تلت هذه القمة على ما يرام، رغم أن آخر زيارة قام بها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو لبيونج يانج انتهت بتبادل الاتهامات بين الطرفين.
ووراء الواجهة المحطمة للتمثيل السيئ لترامب هناك إدارة مقسّمة بين أهدافها الرئيسية المتعلّقة بوضع السياسات. وعلى ضوء التقييم الأخير الذي قامت به جهات استخباراتية بشأن استمرار كوريا الشمالية في أنشطة نووية، يحتمل أن يكون هناك المزيد من التقسيمات. وبخصوص هذا الموضوع، سبق لبومبيو أن غيّر رأيه بشأن طلب قدّمته الولايات المتحدة الأمريكية سابقا، وذلك عن طريق تلطيف كلامه بشأن مسألتي التفتيش والتحقق المثيرتين للقلق. وأشار مسؤولون في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن المزيد من التلطيف في مواقف الإدارة قادم.
وفي نفس الوقت، اعتمد مسؤولون آخرون في البيت الأبيض سياسات أكثر صعوبة. إذ لم يدع مستشار الأمن الوطني لترامب، جون بولتون، إلى التخلي عن الأسلحة النووية فقط، بل أيضا إلى نزع جميع الأسلحة غير التقليدية في كوريا الشمالية بشكل سريع. وخلال هذا الشهر، صرّح بولتون أن لديه خطة للقضاء على جميع برامج كوريا الشمالية لصنع الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية في غضون عام.
ويفضّل ترامب أن تتخذ القرارات من طرف ذوي النفوذ فقط، وسنرى الآن كيف ستكون ردة فعله إزاء التقارير الاستخباراتية بشأن خداع كوريا الشمالية. ومهما حصل، فبعد أن أطلعت الولايات المتحدة الأمريكية كلا من اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الحلفاء على معلوماتها الاستخباراتية، أصبح للقادة السياسيين والمسؤولين العسكريين في هذين البلدين سبب يدعوهم إلى القلق. فبالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية، على الخصوص، أصبح التناقض بين خطاباته السياسية وما اكتشفته المخابرات التابعة له مصدرا قلق بالغ.
وما يثير القلق أيضا، هو تصرفات ترامب التي لا يمكن التنبؤ بها اتجاه حلفاء أمريكا. وقد تابعت سول عن قُرب ظهور ترامب المدوّي في اجتماع الناتو هذا الشهر؛ لأنهم كانوا أيضا مقصودين عندما انتقد الحلف الأطلسي بشأن الإنفاق على الجيش. وكان ترامب قد دفع بالحكومتين معا إلى تعزيز ميزانيتهما المتعلقة بالجيش، وفكّر طويلا في سحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية. وفي قمة سنغافورة، ذهب إلى حد الموافقة على تعليق تدريبات الجيش الأمريكي مع كوريا الجنوبية- وكان ذلك بمثابة تنازل كبير آخر- زاد من عدم استقرار حلفاء أمريكا في آسيا.
وسيزيد من قلق الحلفاء صمت ترامب إزاء المعلومات الاستخباراتية الأخيرة بشأن كوريا الشمالية -هذا دون ذكر وقوفه إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حساب وكالاته الاستخباراتية عندما اكتشفت هذه الأخيرة تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية لعام 2016. فتجاهل خداع أمريكا الشمالية يؤدي بشكل مباشر إلى تراجع أمن اليابان وكوريا الجنوبية. ورغم أن نظام كيم ما زال يسعى إلى صنع صواريخ نووية باليستية عابرة للقارات (آي سي بي إم) والقادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولديها أيضا صواريخ متوسطة الحجم، تعمل بشكل كامل وقادرة على ضرب الدول المجاورة. ولأن اليابان وكوريا الجنوبية كلاهما يشكّلان قاعدة عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، فهما في مقدمة لائحة الدول التي يستهدفها السلاح النووي لكوريا الشمالية.
قد لا يروق هذا الأمر لترامب، لكن عليه التنديد بخداع كيم، خاصة بعد المعلومات الاستخباراتية الأخيرة. ومن بين أشياء أخرى، فالشمال تنتج محرّكات صواريخ متينة تعمل بالبنزين، وبحريات مسلحة بالصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وهذا أمر قد يعزز قدرة أمريكا الشمالية على الهجوم بشكل مفاجئ، عن طريق جعل ترسانتها النووية تدوم أكثر وذات قدرة على التنقل وسهلة الإخفاء. إن جهود كيم القائمة في هذا المجال توضح أنه ليست لديه أية نية بالتخلي عن برنامجه النووي.
ويقول مسؤولون في البيت الأبيض الآن إن ترامب قد يستعين باجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر لعقد لقاء آخر مع كيم، وكأن استرجاع صداقة الزعيمين ستُفضي إلى مفاوضات جادة. هذا لن يحصل، بل يجب عليه أن يبدأ بما هو أهم، وقبل كل شيء، أن يبدأ بمواجهة كيم بالمعلومات الاستخباراتية الأخيرة. إن ما يتكرر بشأن نزع السلاح النووي أمر مختلف، وبذل جهود لمراقبة الأسلحة بشكل جدي شيء آخر. وينبغي على إدارة ترامب التفكير بحذر بشأن الخطوات التي ستقوم بها في المستقبل.

محلل كبير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية، عمل كموظف استخبارات وطني في شرق آسيا، رئيس محطة في آسيا