
مسقط - عزان الحوسني
تعد الوسائط الرقمية مثل ألعاب الفيديو، والتليفزيون، والهواتف النقالة، والهواتف الذكية، وأجهزة الحاسب الآلي، والأجهزة اللوحية من الأجهزة المستخدمة على نطاق واسع في العصر الحالي، وقد بتنا في هذه الأيام، نرى الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم سنتين وربما أقل يستخدمون هذه الأجهزة، لأن الشركات المصنعة لتلك الأجهزة تستهدف جذب المزيد منهم، في الوقت الذي نرى فيه أن بعض الآباء والأمهات يستخدمون بعض تلك الأجهزة لإبقاء أطفالهم هادئين ومستقرين في مكان واحد لفترة من الزمن.
عن تأثير هذه الأجهزة على الأطفال والمراهقين قالت أخصائية طب الأطفال التطوري بالمستشفى السلطاني د.زوينة بنت سليمان الحارثية: أقابل في كل مرة، ما لا يقل عن طفلين إلى ثلاثة أطفال في عيادتي بالمستشفى السلطاني محالين إليّ بمشكلات تتعلق بتأخر الكلام أو عدم الانتباه أو ضعف التركيز أو ضعف مهارات التفاعل الاجتماعي أو السلوك العدواني، وغير ذلك من مشكلات السلوك الأخرى التي تتعلق بالتعرض أكثر مما ينبغي لأجهزة الوسائط الرقمية. وأشارت إلى أن الآباء والأمهات كانوا في الماضي يخشون من تأثير الأطفال السيئين في الشوارع على غيرهم من الأطفال الآخرين، ولكن في الوقت الحالي هناك شارع «افتراضي» سيئ أصبح متاحا بسهولة لمعظم الأطفال في منازلهم. وقالت: إن حجم تعرض أطفالنا الصغار للوسائط الرقمية ضار جداً لأنه يؤثر على نضج المخ الذي لا يستطيع في هذه المرحلة التمييز بين الخيال والواقع، ويؤثر على شخصيتهم ويجعلهم مدمنين على هذه الأجهزة. ومن بين الطرق التي يتعلم من خلالها الأطفال، مراقبة الآخرين ومشاهدة العنف على الوسائط الرقمية المختلفة، حيث يرتبط الأطفال في وقت لاحق بشكل إيجابي بالسلوك العدواني والأفكار العدوانية والغضب. وقد ثبت أن بعض المحتويات التي يتم مشاهدتها تؤثر على السلوك النفسي والاجتماعي لدى المراهقين بما في ذلك تعريضهم للاكتئاب والسلوكيات الخطرة مثل الانتحار.
إن التعرض للأجهزة الرقمية والتليفزيون قد يلعب دورا متفاقما، إن لم يكن سبباً رئيسياً، في حدوث اضطراب نقص الانتباه أو فرط النشاط (ADHD)، ويمكن أن يؤثر على تركيز الأطفال ويسبب ضعفاً في أدائهم المدرسي، فضلاً عن أن كثرة التعرض لهذه الوسائط الرقمية يمكن أن يثير نوبات مرضية لدى بعض الأطفال.
كما أن التعرض للوسائط الرقمية يمكن أن يصبح إدماناً، ويمكن أن يعرض الأطفال والمراهقين إلى سلوكيات خطيرة أخرى مثل الإدمان على الكحول والتدخين وتعاطي المخدرات وسلوكيات جنسية خطيرة.
التصدي لتأثير الوسائط الرقمية
وتساءلت د.زوينة الحارثية عما يمكن أن نفعله للتصدي لتأثير التعرض للوسائط الرقمية على أطفالنا، قائلة: إنه يجب أولا الاعتراف بأن الوسائط الرقمية تمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للصحة العامة وليست مجرد سلسلة من الإعلانات التجارية أو وسائل ترفيه، لأنها من بين المؤثرات الأكثر عمقاً على الأطفال، فنحن بحاجة إلى زيادة الوعي حول تأثير الوسائط الرقمية على أطفالنا وتشجيع الآباء والأمهات على محاولة اتباع هذه التوصيات المقدمة من منظمات دولية مثل الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال.
فبالنسبة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 شهراً، يجب تجنب استخدام الأجهزة ذات الشاشات باستثناء دردشة الفيديو. وعلى آباء وأمهات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 شهراً والذين يرغبون في إدخال الوسائط الرقمية اختيار برامج عالية الجودة ومشاهدتها مع أطفالهم لمساعدتهم على فهم ما يشاهدونه.
وبالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين إلى خمس سنوات، يجب تحديد وقت استخدام الأجهزة ذات الشاشات بساعة واحدة فقط في اليوم على أن تكون البرامج عالية الجودة. كما يجب على الآباء والأمهات مشاركة أطفالهم في مشاهدة هذه البرامج لمساعدتهم على فهم ما يشاهدونه وتطبيقه على العالم من حولهم.
أما بالنسبة للأطفال الذين تبلغ أعمارهم 6 سنوات فأكثر، فيجب وضع حدود متسقة على الوقت الذي يقضونه في استخدام الوسائط الرقمية، وكذلك على نوع هذه الوسائط أيضاً، والتأكد من أن هذه الوسائط لا تحل محل النوم الكافي والنشاط البدني والسلوكيات الأخرى الضرورية للصحة. كما يجب تخصيص أوقات خالية من الوسائط الرقمية يقضيها الجميع معاً، مثل وقت العشاء أو وقت قيادة السيارة، وكذلك مواقع خالية من الوسائط الرقمية في البيت، مثل غرف النوم.
ونبهت الحارثية إلى وجوب أن يكون هناك تواصل مستمر بشأن الأمان على الإنترنت، بما في ذلك التعامل مع الآخرين باحترام سواء على الإنترنت أو خارج الإنترنت.
من ناحية أخرى، في حالة استخدام الأجهزة الرقمية بشكل مناسب وحسب التوصيات، فإنها يمكن أن تكون لها آثار مفيدة على الأطفال، فبالنسبة للأطفال قبل سن المدرسة، قد تساعد أجهزة الوسائط الرقمية على تحفيز الحواس والخيال. وبعض الاستخدام قد يساعد على تعزيز قدرات الاستماع وتعلم الأصوات والكلام. وهي قد تحفز عملية التعلم المعرفي وتطور من المهارات التحليلية. وهذا بدوره قد يساعد الأطفال على بناء مهارات التفكير الإبداعي والبحث والتفكير الاستراتيجي والإبداع. كما أن استخدام أجهزة الكمبيوتر قد يعمل على تحسين المهارة اليدوية وبناء المعرفة الأساسية بالكمبيوتر. بالإضافة إلى أن إتقان الألعاب يبني الثقة ويطور التنسيق بين اليد والعين.
حذر استشاري أول أعصاب أطفال بالمستشفى السلطاني د.نبيل إبراهيم آل مكي من هذه الظاهرة قائلاً: إن الوميض المتقطع بسبب المستويات العالية والمتباينة من الإضاءة المصاحبة لبعض أنواع الألعاب والرسوم المتحركة الموجودة في هذه الأجهزة يتسبب في حدوث نوبات من الصرع لدى الأطفال، وهذا يحدث عند بعض الأطفال المصابين بقابلية المخ لزيادة الشحنات الكهربائية إذا تعرضوا لهذا النوع من الشاشات والإضاءة. ويضيف: أن الاستخدام المزمن لهذه الأجهزة يعرض عضلات اليد الصغيرة للوهن مما ينتج عنه صعوبات حركية وصعوبات لتنفيذ الأمور الحياتية الدقيقة التي تتطلب سلامة هذه العضلات.
أوقات الفراغ
«كن قريباً من أطفالك، فإن لم تكن أنت فهناك من يتربص بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الهدامة» هكذا بدأت الأخصائية في المجال التربوي والأسري بوزارة التربية والتعليم الأستاذة نادية بنت راشد بن سيف المكتومية حديثها قائلة: إن الإجازات وبخاصة الصيفية تعتبر من أكثر المواسم التي يلتصق خلالها الأطفال بالأجهزة اللوحية، بسبب وقت الفراغ الكبير الذي يعانون منه، وَمِمَّا لا شك فيه أن الآيباد وما يعرض فيه من ألعاب ومقاطع وشبكات التواصل الاجتماعي يشكل خطراً على صحة الطفل بدنياً ونفسياً واجتماعياً، حيث يحرمه من فرص التعلم الطبيعية الواقعية ومن احتكاكه بالبيئة من حوله ومن التفاعل الاجتماعي، ليصبح تعامله مع واقع افتراضي يستهلك حواسه وقدراته الذهنية بشكل غير منظم. وعن القيم الدخيلة تقول: هذه القيم المغلوطة التي تتسرب لأطفالنا من عنف وكره وتنافس وغيرها من القيم الخبيثة تؤثر بقوة على أطفالنا، وهنا يتحمل الآباء والأمهات المسؤولية نحو ما يحدث.
من جانب آخر قال استشاري الأطفال في المستشفى السلطاني د.سيف بن سليمان أولاد ثاني: إن استخدام الآيباد والهاتف وكل الأجهزة الإلكترونية له منافع وفوائد، كما أن له مضار وسلبيات على الأطفال، وهذا يعتمد على عمر الطفل وكيفية ومدة ووقت الاستخدام، فهناك فرق شاسع بين طفل يستخدم الآيباد مثلا لمدة ساعة فقط في اليوم وطفل يستخدمه لمدة 10 ساعات يوميا. ولكن كما نرى ونسمع فإن الكثير من الأطفال يستخدمون هذه الأجهزة بشكل جنوني يصل حد الإدمان، ويكون الآيباد والهاتف همهم الشاغل حتى في أحاديثهم الطفولية وهذا ينذر بخطر صحي وعقلي ونفسي وفكري واجتماعي. ويضيف: الانهماك المفرط في هذه الأجهزة وبدون حدود أو رقابة أو تقنين ينقل الطفل من العالم الواقعي الملموس إلى عالم الخيال، وينقله من محيط التفاعل والتواصل إلى عالم العزلة والانهماك. كما أن كثرة التركيز في هذه الأجهزة تؤدي إلى قلة الحركة والجلوس بهيئة معينة لفترة طويلة وهذا قد يؤدي إلى مشاكل جسمية خصوصاً في فقرات وعضلات الرقبة، كما أن قلة الحركة تؤدي إلى السمنة واستخدام هذه الأجهزة في وقت النوم والسهر عليها يؤدي إلى اختلال واضطراب النوم الذي لا تحصى أضراره وسلبياته.
خطورة الذبذبات والإشعاعات
من جانبها أكدت المتخصصة بالعمل الاجتماعي في قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بجامعة السلطان قابوس أسماء بنت عامر الصواعية أن الكثير من أولياء الأمور يلجؤون لإعطاء أبنائهم الأجهزة اللوحية لقضاء وقت فراغهم في الإجازات أو الهواتف النقالة ظنا منهم أنهم بهذه الوسيلة يسيطرون على أبنائهم ويحافظون عليهم داخل منازلهم. وقد تكون استجابتهم هذه نتيجة لضغوطات من قبل الأبناء بتوفير هذه الأجهزة لهم أسوة بأصدقائهم دون وضع ضوابط لاستخدامها وان وضعت الضوابط فلا تكون هناك متابعة حقيقية وصارمة للالتزام بها. وتضيف المكتومية: تحذر الدراسات دائماً من إعطاء الأطفال هذه الأجهزة بشكل خاص لخطورة الذبذبات والإشعاعات التي تصدر منها وبالتالي تؤثر على سلامة الطفل وصحته.
ومن الملاحظ أن استخدام الأجهزة اللوحية مع مرور الوقت من قبل الأطفال يؤثر سلبا على سلوكهم الاجتماعي والنفسي. كما تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يستخدمون الأجهزة اللوحية ومواقع التواصل الاجتماعي تتراوح أعمارهم بين 8 إلى 18 سنة وهذه بحد ذاتها مرحلة حساسة من عمر الطفل، وقد يتعرض الطفل لتجارب سلبية ومحتويات غير لائقة وغير خاضعة للرقابة تؤثر على تطوره العاطفي والمعرفي والسلوكي فيما بعد. وللحد من تأثر أبنائنا وتقليل الآثار السلبية تقول الصواعية: ينبغي على أولياء الأمور أن يكونوا مدركين تماماً طبيعة الأجهزة التي تكون بحوزة أبنائهم وآثارها وأن يعوا خطورتها. وأضافت أنه يفترض أن تكون هناك ضوابط لاستخدام الأجهزة وأماكن وجودها في المنزل ومدة استخدامها واستمرار عملية المتابعة وتوعية الأبناء بآلية الاستخدام إن كان لا بد من استخدامها. ويمكن كذلك التحكم بها وعدم ترك الإنترنت متاحاً في حالة غياب الوالدين من المنزل والاكتفاء بتحميل التطبيقات التي تفيدهم لتقليل تأثرهم بالواقع الافتراضي.