الجمعة، ٢٣ يونيو، ٢٠١٧

مقالات

التقاعد مع وقف التنفيذ

الخميس، ١٨ مايو، ٢٠١٧

علي المطاعني



علي بن راشد المطاعني

[email protected]


في الوقت الذي يجب أن تضخ فيه دماء جديدة في شرايين وحدات الجهاز الإداري للدولة من الكوادر العُمانية المؤهلة في جميع المجالات، نجد البعض، للأسف، يطالب بتمديد سن التقاعد لمن تجاوز الـ60 عاما ليظل في العمل سنوات أخرى متمسكا أو مستمسكا بالعروة الوثقى أقصد بالوظيفة الحكومية رافعا شعار من المهد إلى اللحد كما يقال قولا وعملا وتطبيقا، غير عابئ بمن يقفون في طوابير انتظار الوظائف من أبنائه أو من أحفاده، وغير مكترث بخطورة هذا النهج الذي يمكن وصفه بالكارثي، فهو يكرس معنى الأنانية وحب الذات أو ما يمكن تسميته، استئذانا من علم النفس، بالنرجسية الوظيفية، وهو مصطلح شديد الخطر وعظيم الأثر على مستقبل جيل كامل من الشباب العُماني، إذ هو يحطم آمالهم على نحو مريع ويكبل تطلعاتهم المشروعة في أن يصبحوا أناسا مسؤولين لهم وظائف وأسر وبيوت وأطفال، ومن ناحية أخرى فهو يسهم وبقدر هائل في عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع مستوى العنوسة وسط النساء، وتلك كلها نتائج مباشرة لارتفاع مستويات الباحثين عن عمل في المجتمع، هذا إضافة إلى إسقاطات أخرى وخيمة كارتفاع نسبة الجريمة والانحراف الأخلاقي كالتوجه للمخدرات والمسكرات هروبا من الواقع المرير.. إلخ.

فعلى الحكومة أن تصم الآذان تماما ولا تسمح مطلقا لتلك الطلبات أن تخترق طبلة أذنها، وببساطة شديدة يجب إبلاغ أولئك أن الوقت قد حان لإتاحة الفرصة لغيرهم ليأخذوا دورهم في إدارة عجلة الحياة، وتلك هي سنة الحياة أصلها وذاتها.. إنهم يعتقدون أن في استطاعة الحكومة إبقاءهم وفي ذات الوقت تعيين أبنائهم وهذا واقعيا فوق طاقة أي حكومة على وجه الأرض.

إن بعض المتقادمين الأعزة علينا جميعا لا يرغبون في مغادرة ذلك الكرسي بتاتا بعد 40 حولا من الجلوس فوقه، ربما هناك هواجس نفسية لا نغفلها مردها إلى ظن لا أساس له من الصحة تقول إنه إذا ما غادر الكرسي بغير رجعة فإن الخدمة ستتعطل لذلك فهو يطالب بالبقاء حرصا منه على مصالح الناس، أو قد يصيبه هلع مرده إلى حتمية نقص مخصصاته المالية رغم وجود المزايا الخاصة بالتقاعد ولكنه قد يرى أن مخصصات الوظيفة وصيتها أكبر وأهم من مخصصاته التقاعدية إذ سيخبو بالطبع بريق الوظيفة وتبقى فقط صفة (متقاعد) وتلك قد لا تسر، غير أننا نراها نوط جدارة وقلادة شرف من الطبقة الأولى، فهو رجل يستحق الاحترام أينما ذهب وأينما رحل بعد أن أدى رسالته تجاه الوطن على أكمل وجه، لذلك فهو عنوان بارز في المجتمع هذا ما نراه وهذا ما يجب أن يكون.

فالبعض منهم يستخدم كل علاقاته الاجتماعية الواسعة بحكم سنواته الطول في الوظيفة من أجل التمديد له سنة بعد أخرى، هذه الممارسات لا نستطيع إنكارها بل إن الجهاز الحكومي يعاني منها خاصة في المستويات الوظيفية العليا إذ ربما هناك فكرة ما لديهم مفادها بأن الكرسي -الذي يتحول في تلك الحالة إلى صفة الكرسي اللعين- حق مشروع لهم إلى الأبد، كما أن البعض قد لا يعترف بما يسمى بنظام التقاعد من أساسه.

بالطبع هناك بعض الخبرات التي يحتاج لها العمل في بعض التخصصات النادرة والمهمة وتلك يمكن أن يمدد لها لسنوات وفقا للحاجة إليها، إلا أن البعض استغل هذه الثغرات ليضغط من هذا الجانب أسوة بغيره، زاعما أن العمل بحاجة له وقد يستجاب له وهو بذلك يضع الجميع أمام حرج كبير، بيد أنه لن يكترث كثيرا بزفرات الامتعاض التي يسمعها فتمر أمامه مرور الكرام، فالكرسي أهم من الزفرات ومن كل الامتعاضات، المهم أنه موجود فوق كرسي الخلود.

ذلك كله له انعكاسات خطيرة على الجهاز الإداري للدولة الذي يجب أن يكون أكثر فعالية وديناميكية لما يتطلبه العمل من تطورات في التقنيات والتكنولوجيا، وبذلك فإن وجودهم في مقاعد العمل لن يتيح للأجيال الجديدة المتعطشة للإبداع أن تأخذ فرصتها في تأكيد ذواتها، ولن يتاح للأجهزة الحكومية أن تجدد الكفاءات فيها ويبقى العمل مستمرا بعقليات أكل عليها الدهر وشرب بدون تجديد أو تطوير يمليه الواقع المتجدد.

إن الحلول المقترحة لمثل هذه الحالات وغيرها والقائلة بزيادة سن التقاعد إلى 65 عاما كحل لمثل هؤلاء ولإعطاء أريحية في الخروج إلى التقاعد وكجزء من تخفيف الأعباء على صناديق التقاعد المثقلة بالالتزامات المالية والعجوزات نراها حلولا غير واقعية. وبالتالي نأمل أن نضع حدا لهذه التجاوزات في تمديد سنوات الخدمة من جانب البعض ومن ثم تطبيق القانون بشكل صارم فالقضية أكبر من هؤلاء كما أوضحنا.

فيديو

معرض الصور