السبت، ٢٤ يونيو، ٢٠١٧

مقالات

صمود مصر أمام الإرهاب

الأحد، ١٦ أبريل، ٢٠١٧

أحمد المرشد



أحمد المرشد

لن نكرر ما يقال إن مصر تواجه موجة صعبة من التطرف والعنف والإرهاب، لأنه من الواضح أن الحملة لن ولم تنته خلال فترة محدودة، فما تتعرض له مصر في الوقت الراهن منذ انقشاع جماعة الإخوان عن المشهد قبل أربع سنوات، أمر مؤلم للغاية خاصة وأن العمليات الإرهابية أصبحت متقاربة ولا يفصل بين عملية وأخرى سوى فترات قليلة. واعتقد أن مصر لم تشهد لها مثيلا على مدى التاريخ الحديث.. والأكثر إيلاما للنفس ما أسفرت عنه العمليات الإرهابية الأخيرة التي راح ضحاياها أكثر من 50 شخصا على الأقل من الضحايا الأبرياء، من المسلمين والمسيحيين. ليس هذا فقط، لأننا نشهد أيضا في مصرنا الحبيبة سقوط ضباط وجنود بصورة شبه يومية في شبه جزيرة سيناء وبعض الكمائن الشرطية، كل هذا برصاص غادر لم يعد يفرق بين مدني وعسكري، وإن كانت الروح أيا كانت غالية، ولا يجب علينا هنا التفريق بين مدني وشرطي وعسكري، لأن الجميع مواطنون أبرياء ويخدمون نفس الوطن، وليس من حق الإرهابيين الغائبين عن الوعي والضمير والدين أن يغتالوهم ويحرموا الوطن منهم. ما أعنيه بالوطن يشمل الأسرة، الأب والأم والزوجة والأولاد والأقارب وحتى الجيران، ناهيك عن الوطن نفسه بمعناه الأشمل، لأن الجندي والضابط يخدمان هذا الوطن ويضحيان بروحيهما ويفتديان نفسيهما لهذا الوطن، ولكن في معارك حقيقية، وليس في الظلام، إذ تغتالهم قوى الشر والتطرف خلسة.

ربما كانت آخر حادثتين في مصر هما من نصيب كنيستين أثناء أداء المسيحيين ترانيم صلاة «أحد السعف» وهو عيد مصري قبطي قديم يبدأ بأسبوع الآلام ثم ينتهي بأعياد القيامة أو الفصح. ولكن دماء الشهداء والضحايا امتزجت ما بين المسلمين والمسيحيين، ولم يفرق الإرهابيون بين طفل وفتاة ومسنة وشيخ، بين جندي وضابط ومدني، فالكل تعرض للاغتيال والقتل. وكان الترويع من نصيب الجميع، فلم يكد صباح الأحد الفائت يمر إلا وكان المصريون عن بكرة أبيهم في حالة حزن وحداد عام، وقد رأيت بنفسي أحزانهم، ودموعهم التي لم تنقطع حزنا على ضحاياهم الذين ذهبوا لكنائسهم لأداء شعائرهم، والذين ذهبوا لتأمين تلك الكنائس، ولم يكتب لهم العودة إلى أسرهم، وكانت الشهادة من نصيبهم.

لقد أصبحت أكره فكرة الغرب ربط الإرهاب بالإسلام، فهؤلاء الإرهابيون لا ينتمون لدين ولا وطن، فلا أخلاق لهم ولا ضمير، وهم عديمي الإحساس، فما معنى أن يذهب شخص انتحاري حامل في وسطه حزاما ناسفا إلى أي تجمع به مواطنين أبرياء ثم يفجر نفسه فيهم، فهل هذا ينتمي لدين؟ بالقطع لا، حتى وإن كان هدف هؤلاء الإرهابيين هو إحداث الفرقة بين المصريين، فهم فشلوا أمس وسيفشلون اليوم وغدا. ورغم أن هؤلاء الإرهابيين مصريون، أو هم هكذا حتى تثبت التحريات أصولهم، فكل من يتخيل في نفسه القدرة على تمزيق الوحدة المصرية، فهو واهم. فالمصريون على مر تاريخهم لم تستطع أي قوى استعمارية أو حتى شخص أن يفرق بينهم، ولعل أشد ما يميزهم هذا النسيج الاجتماعي الطيب الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحي، فكلهم مواطنون في وطن كبير يحتويهم جميعا اسمه الجامع، وطن اسمه «مصر».. فمصر بوابة العرب والمسلمين، وستظل هكذا إلى يوم الدين، حتى وإن سعى الإرهاب الغاشم للعبث بها وبمواطنيها، فهو سيفشل كما فشل أمس.. وسيفشل في تدمير الاقتصاد والسياحة والاستثمار، وسيكون مصيره الفشل في تمزيق النسيج القوي بين جميع أفراد الشعب المصري، هذا النسيج الذي حمى مصر الحرة الأبية التي تتصدى للإرهاب بكل قوة، وسيظل يحميها إلى يوم الدين.

وفي مثل هذه الأحداث المؤلمة، ليس علينا بمن يطالب بالحلول السياسية للإرهاب، فالحل الأمني يكاد وحده الذي يطفو على السطح لاجتثاث الإرهاب وقطع دابره، في دولة تئن تحت ظروف اقتصادية صعبة بسبب هذا الإرهاب، الذي نال من قطاع السياحة، أهم مورد للعوائد الأجنبية في مصر. ثم إن الحياة السياسية في مصر لم تتوقف، بل تسير بنفس وتيرتها، البرلمان يعمل كالمعتاد، الأحزاب تمارس دورها بلا تغيير، وبالتالي، على القوات المسلحة والشرطة القيام بمهمتهما الأولى وهي محاربة الإرهاب والإرهابيين الذين يتلقون تمويلات ضخمة من الخارج، وتحريضا من شيوخ الفتن، الذين يغذون صناعة التطرف الديني الذي يغذي العنف والإرهاب.

أما إذا كان ولا بد من تدخل طرف آخر في عملية مواجهة الإرهابيين، فهذا الدور يضطلع به علماء الدين، بتبصير الشباب بصحيح الدين والتخلي عن التطرف الديني الذي يدفع إلى تبني العنف وتكفير المجتمع، وبما يصعب على دعاة الفتن والتحريض اصطياد صغار السن والشباب وتلقينهم أفكارا متطرفة لا ترتبط بصحيح الدين، والدين منها براء مثل تكفير المجتمع وتبرير العنف.

ولهذا أسعدني بحق أنه رغم حوادث الإرهاب المتكررة في مصر، إلا أنني وجدت إصرارا من المصريين على تطبيق قانون الطوارئ الذي أعلنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أعقاب حادثي الكنيستين، ولم يأت فرض حالة الطوارئ في مجرد بيان عابر من الحكومة أو الرئاسة المصرية، وإنما تحلى الرئيس السيسي بالشجاعة والقوة في إعلانه خلال خطابه للشعب، هذا الخطاب الذي تميز في رأيي بالقوة وحمل إصرارا من رأس الدول المصرية على اجتثاث الإرهاب. فرغم أن المصريين يكرهون فعلا «حالة الطوارئ» التي أعلنها الرئيس الأسبق حسني مبارك منذ قدومه للسلطة في أعقاب مقتل الرئيس أنور السادات عام 1981، إلا أنه في يوم مثل الأحد الفائت، أكد المصريون أنهم على قلب رجل واحد، ويتفهمون حيثيات القرار الصعب، فهو خطوة لا بد منها في تلك الظروف الصعبة التي تستهدف أمن الأوطان. ولهذا، نتمنى للشعب المصري أن يتحقق له الأمن والأمان والسلام والاستقرار في ظل إعلان السيسي تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب، كخطوة جادة للتصدي للتطرف والإرهاب، وبما يحقق نتائج جيدة بخطوات سريعة.

نحن ندرك جميعا أن مصر تخوض حربا ضروسا ضد الإرهاب الذي يشوه الإسلام، من أجل حماية الدولة من الانهيار كما شاهدنا في دول أخرى لا داعي لذكرها لأننا نعرفها جميعا. وبالتالي، فإن من حق أي دولة أن تتبنى كل ما يلزم من إجراءات تضمن سلامة الشعب وتحفظ وحدته ونسيجه ووحدة الوطن.

وختاما، نقول إنه على الدول العربية كافة، أن تتكاتف وتقف خلف مصر، فمصر القوية، هي قوة إضافية للعرب، وأمانا لهم من مخالب قوى الشر التي تتربص بهم جميعا. أما شعب مصر فهو حقا لا يحتاج لتوصية، فلا توصي حريصا، ولكن من موقعي كراصد للحالة السياسية في مصر، فلا يسعني سوى القول، إنه يتوجب على المصريين بمشاربهم وأطيافهم كافة، اليقظة والتكاتف والالتفاف أكثر من أي وقت مضى حتى يفوتوا على الإرهابيين، فرصة جر مصر إلى منزلق لا يعلم أمره إلا الله. فالإرهاب الأسود، بات بين ظهرانينا وعلينا جميعا العمل على اجتثاثه.

ورغم ما سبق، أقول إني لا أخاف على شعب مصر، فهو في حالة تلاحم وتناغم طوال تاريخه، وهو ما يلمسه الغريب قبل القريب، فنحن نعلم أن نسيج هذا الشعب واحد، ولا أبالغ إذا قلت إن هذا ما تعلمناه على مدى أعمارنا ومنذ نعومة أظافرنا، عندما كنا نشاهد في الأفلام المصرية شعار «الهلال مع الصليب»، تلك الأفلام التي خلدت التاريخ المصري، وعرفنا أيضا، أن المساجد دور عبادة ويجب حماية قاصديها، وكذلك الكنائس، لأن استهدافها يعني ضرب هذه الوحدة الفريدة ربما في العالم العربي على الخصوص.. وفي النهاية نقول للإخوة المسيحيين: « قلوبنا معكم ونتألم لمصابنا معا.. حسبي الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد أراد الإرهابيون كسر الشعب المصري والنيل من نسيجه الواحد، ولكن الإرهاب سينكسر أمام وطنية هذا الشعب الصلب، إن لم يكن اليوم، فإن غدا لناظره قريب، وادخلوها بسلام آمنين.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

فيديو

معرض الصور